دائم مقيم يعجز عنه الوصف:"فليقرّوا بذلك عينًا، وامتازوا عنهم أيّها المجرمون"
إلى مصيركم." [1] "
فأبو السعود ارتضى حالتي العطف في هذه الآية، وهما ـ فيما تبيّن ـ العطف بين الفعليّة والاسميّة، وبين الفعليّة وأخرى فعليّة مقدّرة، ويبدو أنّ الّذي حمل أبا السعود على التقدير مسايرته البلاغيين [2] ، وطائفة من النحويّين [3] في عدم تجويزهم عطف الجمل الخبريّة على الإنشائيّة أو العكس، ولم ير البحث ثمّة مسوّفًا لهذا
التقدير، أو حاجة؛ لأنّ المعنى في الآية المعطوف عليها الّتي هي (الجملة الاسميّة) قد أوفي المراد، لا سيّما أنّ طائفة من النحاة والبلاغيّين قد أجازوا [4] عطف الجمل الفعليّة على الاسميّة، والإنشائيّة على الخبريّة، فلا داعٍ إذن للتقدير في الآية
والسياق فيها مستوف للمعنى المراد، فضلًا عن أنّ الأصل في قواعد اللغة الجمل على الظاهر وعدم التقدير.
وتجدر الإشارة إلى أنّ دلالة الثبوت والدوام في الجملة الاسميّة وردت منسجمة مع طبيعة السياق المتحدّث عن أهل الجنّة، وبيان ما هم عليه من حال الاستقرار والنعيم المستمرّ، وكذلك اتّسقت الجملة الفعليّة (وامتازوا) بدلالتها إلى الحدوث والتجدّد، مع حال أهل النار الموصوفة بتجدّد وقوع العذاب بهم، وعدم استقرارهم، وهم في نار جهنّم، وقد قال:"ومن محسّنات الوصل تناسب الجملتين في الاسميّة والفعليّة، وفي المضيّ والمضارعة، إلاّ لمانع كما إذا أريد بإحداهما التجدّد، وبالأخرى الثبوت." [5]
ومن أمثلة العطف بين الجمل أيضًا ما جاء في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا.} (النساء:38) إذ رأى أبو السعود أنّ (الّذين ينفقون أموالهم) معطوفة على (الّذين يبخلون) أو على (الكافرين) ، ثمّ علّل هذا العطف بقوله:"وإنّما شاركوهم في الذمّ والوعيد؛ لأنّ البخل والسرف الّذي هو الإنفاق فيما لا ينبغي، من حيث إنّهما طرفا"
(1) إرشاد العقل السليم 7/ 174.
(2) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة 155.
(3) ينظر: شرح التسهيل: ابن مالك 1/ 21، وشرح الإيضاح: ابن عصفور، ومغني اللبيب 2 /
627، وهمع الهوامع 3/ 192.
(4) ينظر: الكتاب 2/ 104، مغني اللبيب 2/ 630 ـ 631، وشروح التلخيص 3/ 26 ـ 27.
(5) الإيضاح في علوم البلاغة 157.