الصفحة 308 من 371

وقد عني أبو السعود بهذه الدلالة مدركًا أنّ الغاية من الخبر لم تقتصر على الغرضين المتقدّمين المذكورين آنفًا ـ فحسب بل كثيرًا ما يخرج الخبر على خلاف مقتضى الظاهر؛ ليفيد معاني ودلالات مجازيّة يحكمها السياق و القرائن الحاليّة، وهذه المعاني المحتملة للخبر كثيرة منها الأمر، والإنكار، والتعجّب، والدعاء، والنهي، والوعيد وغير ذلك [1] .

وقد أشار أبو السعود إليها في أثناء تفسيره الآي القرآنيّ، فمن ذلك:

1 ـ دلالة الخبر على الأمر:

إنّ ورود الأمر بصيفة الخبر أسلوب من أساليب العربيّة، إذ قال: سيبويه في باب (الحروف الّتي تنزل بمنزلة الأمر والنهي؛ لأنّ فيها معنى الأمر والنهي) :"... ومثل ذلك (اتّقى الله امرؤ وفعل خيرًا يثب عليه) ؛ لأنّ فيه معنى: ليتّق الله امرؤٌ، وليفعل خيرًا." [2] فلم يستعمل هذا الأسلوب لغاية هي إفادته"تأكيد الأمر والمبالغة"

في الحثّ عليه [3] .

وقد تنبّه أبو السعود إلى ذلك في مواضع كثيرة من تفسيره، فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.} (البقرة: من الآية228) إذ قال إنّه"خبر في معنى الأمر مقيّد للتأكيد بإشعاره بأنّ المأمور به ممّا يجب أن يتلقّى بالمسارعة إلى الإتيان به فكأنّهنّ امتثلن بالأمر بالتربّص، فتخبر به موجودًا متحقّقًا." [4] والتقدير في الآية: وليتربّص المطلّقات [5] .

(1) ينظر: الصاحبي في فقه اللغو 133 ـ 134.

(2) الكتاب 3/ 100، وينظر: الصاحبي في فقه اللغة

(3) أساليب الطلب عند النحويّين والبلاغيّين: د. قيس الأوسيّ 204، وينظر: الكشّاف 1 /

(4) إرشاد العقل السليم 1/ 225.

(5) ينظر: الكشّاف 1/ 298، والبرهان في علوم القرآن 3/ 351.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت