يقهر، وعينه التي لا تنام، وقدَّره حق قدره؛ خاف منه حق الخوف، ولهذا قال الله ـ عز وجل ـ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] ، وقال ـ تعالى ـ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] . وقال ـ تعالى ـ: { ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] .
ومن كانت هذه هي حاله رأيته متيقظ القلب، يرتجف خشية وإشفاقًا، دائم المناجاة لربه، يستجير به ويستغيث استغاثة المفتقر الذليل، قال الله ـ تعالى ـ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] . وقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16] . وقال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] ، قال الحسن البصري: «تجري دموعهم على خدودهم فَرَقًا من ربهم» (3) .
وتأمل معي قول الحق ـ جلَّ وعلا ـ: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109] .
فهو الافتقار التام لله عز وجل، والانكسار بين يديه تذللًا وإنابة، قال الأستاذ سيد قطب: «إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} ، ثم تنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمة الله وصدق وعده: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} ، ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوّره الألفاظ» (4) .
وشرط الخشية الصادقة أن تكون بالغيب؛ لأن القلب لا يتعلق إلا بالله، ولا يلتفت إلى ما سواه، قال الله ـ تعالى ـ: {إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] . وقال ـ تعالى ـ: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] . وقال ـ تعالى ـ: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [ق: 31 - 33] . وفي الحديث الصحيح قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..) ، وذكر منهم: (ورجل ذكر اللّه خاليًا ففاضت عيناه) (5) . قال الحافظ ابن حجر: «خاليًا: أي من الخلو؛ لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء، والمراد: خاليًا من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ» (6) .
والخوف من الله ـ عز وجل ـ عبادة قلبية تدفع العبد إلى الحرص والجدية والإقبال على الطاعة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ خاف أدلج، ومَنْ أدلج بلغ المنزل) (7) . ولهذا قال الحافظ عبيد الله بن جعفر: «ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله» (8) . وتتجلى حقيقة هذه العبادة