فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 780

القلبية على الجوارح، ولهذا جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله) (1) . فالمعصية تعرضت له بأكمل زينتها، وأبهى فتنتها، وهو بشر كالبشر، لكن ما حبسه عنها إلا الخوف من الله عز وجل، ونظير هذا ما جاء في حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار، فقال أحدهم: (اللهم! إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجال النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها فجمعتها، فلما قعدتُ بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة..) (2) ، وفي لفظ: (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا) (3) .

فالمرأة الضعيفة استسلمت له، ولم تملك إلا تخويفه بالله عز وجل، فاستيقظ قلبه، وامتلأ خشية من الله، فحال ذلك بينه وبين المعصية، ومن أجمل ما وقفت عليه في تعريف الخشية قول سعيد بن جبير: «إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية» (4) .

سادسًا ـ تعظيم الأمر والنهي:

فغاية العبودية: التسليم والانقياد محبَّة وتذللًا، فتعظيم الأمر والنهي من تعظيم الله جلَّ وعلا، قال الله ـ عز وجل ـ: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30] ، وقال الله ـ تعالى ـ: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .

وما انتشرت المعاصي، وكثرت المنكرات والأهواء في ديار المسلمين؛ إلا بسبب ضعف الإيمان، والتهاون في تعظيم أمر الله ـ عز وجل ـ ونهيه.

وتعظيم الأمر والنهي يعني: الوقوف عند حدود النصوص الشرعية، والالتزام الصادق بمقتضاياتها ودلائلها، والعض عليها بالنواجذ، فأَمْر الله ـ عز وجل ـ وأَمْر رسوله -صلى الله عليه وسلم- حقه الإجلال والامتثال، قال الله ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .

قال الإمام ابن القيم: «استقامة القلب بشئيين: أحدهما: أن تكون محبة الله ـ تعالى ـ تتقدم عنده على جميع المحاب... الأمر الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله ـ تعالى ـ ذمَّ من لا يُعظّمه ولا يعظّم أمره ونهيه، قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] ، قالوا في تفسيرها: ما لكم لا ترجون لله ـ تعالى ـ عظمة» . ثم قال: «.. فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها..» . ثم ذكر عددًا من علامات تعظيم المناهي، وهي على وجه الاختصار:

1 -الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت