فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 780

فمما ورد في السنة وفي أقوال المفسرين أن خولة بنت ثعلبة لما اشتكت زوجها الذي ظاهر منها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كانت عائشة تسمع الشكوى في حُجرتها، ولم تسمع كل كلامها؛ فلما نزل قول الله ـ تعالى ـ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 1] ، قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات» (2) . فلو آمن الإنسان بهذا أكان يعصيه طرفة عين؟ أكان يقع في التفريط؟ الله يسمع منك كل شيء، ولا يغيب عن سمعه أي شيء.

ثم لننظرْ إلى علم الله المطلق، والذي يغيب عنا، مع العلم أننا نعتقد في علم البشر ونعترف لهم بقوة علمهم وخبرتهم وبأستاذيتهم، ولكننا ننسى علم الله المطلق، وعلمه بالغيب والشهادة، بل إن علم البشرية كلها هو من علم الله.

فهذا موسى الكليم ـ عليه السلام ـ خطب يومًا في قومه، فسئل: هل يوجد من هو أعلم منه؟ فنفى وجود ذلك، فبعثه الله ليتعلم من عبده الخضر ـ عليه السلام ـ وليعلمه أن هناك من هو أعلم منه؛ والحديث كما في صحيح البخاري يحدثنا عن رحلة نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ مع الخضر وماذا تعلم منه، ثم إنهما ركبا السفينة، فجاء عصفور ونقر من البحر نقرة، فقال الخضر: «يا موسى! ما علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر» (3) .

وهذا يعني أن علم موسى الرسالي لا يفقهه الخضر، وعلم الخضر الرباني لا يفقهه موسى، وعلمهما معًا أمام علم الله لا يساوي نقطة من بحر علم الله. فإذا علمنا هذا واعتقدناه فهل يقع منا التقصير والغفلة والتفريط؟

ثم لننظر إلى رزق الله الواسع، ألم يقل ربنا في كتابه: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] .

ألم يحدثنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي أن الله ـ تعالى ـ يقول: «... يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني وأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر» (1) .

هل من آمن بهذه الركائز العقدية يغفل عن الله، أو يفرط في جنبه، أو يعصيه طرفة عين؟ بالتأكيد سيكون الجواب: لا، لن يقع في المحظور كما أنه لن يقع في الغفلة والتفريط.

وطبعًا لا يجب أن ننسى أن من سنن الله في خلقه وكونه أنه خلقنا بشرًا نخطئ ونصيب، ننسى ونتذكر، نذنب ونتوب؛ فالله لم يخلقنا ملائكة، بل خلقنا بشرًا ناكل الطعام ونمشي في الأسواق؛ وهذا يقتضي أن الإنسان قد يخطئ وقد ينسى، ولكنه في كلتا الحالتين يستعين بالدعاء: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] . ويرجع حين تذكُّره، ويصحح خطأه حين تنبُّهه: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (2) . وقال أيضًا -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت