أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها» (3) . وقال: «ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارِّين» (4) .
< سبب التسويف:
وهو مرض خطير، ومن تلبيسات إبليس بالناس أجمعين؛ حيث يسوِّف عليهم في كل شيء ويجعلهم يؤجلون كل أعمال الخير إلى أجل غير مسمى حتى يفاجَؤوا بنهاية الأجل ووقوع المحظور.
وقد حذر السلف الصالح من مغبة التسويف وحاربوه؛ حيث روي عن عمر قوله: «القوة في ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد» . وقال سهل بن عبد الله: «الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصرُّ هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقال: أتوب غدًا، وهذا كيف يتوب غدًا؛ وغدًا لا يملكه» (5) .
وفي الحديث: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر» (6) .
هكذا حذرت النصوص من التسويف الذي يعد بحق من الأسلحة الفتاكة التي يستعملها إبليس لإغواء النفس البشرية؛ فما همَّ بعمل خير إلا وضع (سوف) أمامه ليؤجله أو ليلغيه، وفي كِلا الأمرين يتحقق مكسب للشيطان؛ إذ الموت مباغت، والأجل غير معلوم؛ فكلما سوَّف الإنسان أوقع نفسه في المجهول.
قال سيبويه: «سوف: كلمة تنفيس فيما لم يكن بعدُ، ألا ترى أنك تقول: سوَّفته، إذا قلت له: سوف أفعل، ويقال: فلان يقتات السوف، أي يعيش بالأماني» (7) .
ولسوف هاته أشكال وألوان؛ فمن الناس من يمنِّيه إبليس بالتوبة والرجوع حالما ينتهي من عمل ما، أو إتمام مشروع ما، ولكن مع الأسف الشديد عندما ينتهي منه يوجد له الشيطان مشروعًا آخر وهكذا حتى تأتي النهاية المحتومة، ويتحدث مع الطالب بلغة الحصول على الشهادة أو العمل، ومع الأعزب حتى يتزوج، ومع الغني حتى يكتمل مشروعه، ومع الفلاح حتى ينتهي موسم الحصاد، وهكذا يكسب من الناس تأخيرًا في التوبة وتعثرًا في الرجوع إلى الله، فيظل المسلم غافلًا مسوفًا حتى يلقى الله وتضيع فرص العودة والرجوع والأوْبة والإنابة.
ـ الحرمان من التوفيق الرباني: فمن عاش بين مجزِّئ للدين ومسوِّف وعاصٍ وناكر للنعم وجاحد لحق المنعم، فلن يبتعد حاله مطلقًا عن حال الضالين.
فالمفرط في التدين يقطع صلته بربه، فيحرم بسبب ذلك من عونه وتوفيقه، كما قال ـ تعالى ـ: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37] .