كذلك أوصى ابن جماعة المعلم بشكر التلميذ إذا أصاب الجواب ومدحه والثناء عليه، فقال: (فمن رآه مصيبًا في الجواب، ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد) (18) . وقد كان المربون الأوائل يتحينون الفرص لتشجيع الأولاد وحثهم على المنافسة النزيهة في العلم وتحصيله. قال ابن سحنون في حث المعلم على ذلك: (وينبغي أن يجعل لهم وقتًا يعلمهم فيه الكتاب ويجعلهم يتجاوزون؛ لأن ذلك مما يصلحهم ويخرجهم، ويبيح لهم أدب بعضهم بعضًا) (19) .
وكانوا إذا حذق الصبي القرآن ـ أي أصبح ماهرًا فيه ـ جمعوا له الناس وعملوا له وليمة لتشجيعه ومدحه بين الناس بما يدفعه إلى الاستزادة من العلم وتحصيله؛ خصوصًا إذا علمنا أن أول ما يتعلمه الصبي في الكتّاب القرآن الكريم، فهو بختمه القرآن الكريم وحذقه لا يزال في بداية الطريق. جاء في: (كتاب العيال) للحافظ ابن أبي الدنيا:(حدثني بشر بن معاذ العبدي، حدثنا أبو عمارة الرازي، حدثنا يونس، قال: حذق ابنٌ لعبد الله بن الحسن بن أبي الحسن، فقال الحسن: إن فلانًا قد حذق.
فقال الحسن: كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزورًا وصنعوا طعامًا للناس) (20) .
وبهذا يكون المربون الأوائل قد سبقوا بأشواط كثيرة علماء النفس المحدثين في تقرير أهمية المدح والثناء في التربية. ويشار إلى أسلوب التشجيع والثواب في علم النفس بمصطلح (التعزيز) . ومعناه المكافأة ويعتبر التعزيز، سواء كان معنويًا كالمدح والثناء، أو ماديًا، من أهم الأساليب الحديثة في تعديل السلوك وتهذيبه. وهكذا يتضح أن التربويين المسلمين قد لامسوا الموضوع عن قرب ولكن دون الدخول في تفصيلات كبيرة كما هو الشأن بالنسبة لعصرنا الحالي الذي تشعبت فيه التخصصات.
2-الإيحاش والإعراض والتّرْك:
ويعتبر الإيحاش والإعراض والترك أقل درجات العقوبة المعنوية؛ فالمعلم قد يلحظ على الصبي ملحظًا أو يرى منه تصرفًا غير لائق؛ ولكنه يُعرض عنه ويتغافل عنه ولا يعنفه أو يشتد عليه في العقوبة؛ ربما لأن الصبي قام بهذا السلوك مرة واحدة فيعفو عنه، أو لأنه كان يتوقع أن ما قام به يعتبر لائقًا وينتظر عليه مكافأة من المعلم ولو في صورة مدح أو بشاشة وجه أو اهتمام به، فيعرض المعلم عنه ويبدي له نوعًا من الإيحاش وعدم البشاشة. وقد أشار الغزالي إلى هذا الأسلوب بقوله: (فإن خالف ذلك(أي: أتى فعلًا غير محمود أو تخلق بخلق غير جميل) في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه) (21) .
ويشار إلى هذا الأسلوب في نظريات التعلم بمصطلح: (الانطفاء) .
ومعناه أن الصبي إذا قام بسلوك غير لائق وتجاهله المعلم وأعرض عنه ولم يُبْدِ نوعًا من الإيناس وبشاشة الوجه للصبي؛ فإن الصبي يبدي رغبة أقل في تكراره ويتركه؛ فينطفئ. وقد قدم لنا كل من