فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 780

-وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- سَبْيٌ؛ فإذا بامرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبيًا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها» (2) .

كان يمكن أن يذهب هذا الحديث دون تعليق، لكن النبي الحكيم -صلى الله عليه وسلم- أفاد منه أي إفادة؛ وهكذا ينبغي لنا، وحين نطيل التأمل في مثل هذا الحادث فإننا سنجد فيه فرصة للإفادة في جوانب أخرى؛ فكما أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه إلى سعة رحمة الله؛ فإننا نجد فيه فرصة للتذكير بحق الوالدين، وتقلُّب الدنيا بأهلها؛ إلى غير ذلك.

وعن جرير بن عبد الله البجلي ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنا جلوسًا ليلة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، فافعلوا» (3) .

كم نرى القمر ليلة البدر؟ كم نراه ونحن مع أولادنا أو مع طلابنا، ثم لا نجد فرصةً أن نُذَكِّر برؤية المؤمنين لربهم في الجنة؟ وكم يمكن أن نفيد من رؤية القمر مثلًا بالتذكير بالصلاة وعظمتها، وأنها نور (والصلاة نور) والتذكير بقيمة الجمال ومحبة الناس له؟ ولن نعدم توجيهًا لو أعملنا أذهاننا.

وعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: «أُهديتْ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حُلَّةُ حرير، فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: أتعجبون من لين هذه؟ لَمَناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين» (4) .

قد يقول قائل: إن هذا خبرُ غيبٍ جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بطريق الوحي وليس لنا إلى ذلك سبيل، فنقول: نعم! ولكن لنا سبل أخرى، فنستطيع أن نُذَكِّر عند جمال الدنيا وحسنها بنعيم الجنة، وبنار الدنيا وعذابها عذاب الآخرة: «ناركم هذه التي يوقِد ابن آدم، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم» (5) .

وقد كان هذا من طريقة بعض السلف رحمهم الله: كان حممة ـ رضي الله عنه ـ صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهرم بن حيان ـ رحمه الله ـ يصطحبان أحيانًا بالنهار، فيأتيان سوق الريحان، فيسألان الله الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيتعوذان من النار، ثم يتفرقان إلى منازلهما» (6) .

كثيرًا ما نجلس ونحن نحيط بالنار نستدفئ أو نصنع طعامًا؛ فكم يمكن أن نستفيد من هذا الحادث؟ يمكن أن نقول للمتربين: أرأيتم النار كيف تلتهم الحطب؟ كذلك الحسد يأكل الحسنات كما تأكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت