والإمام أحمد ـ رحمه الله ـ كان قد برع في طلب الحديث وعمره ست عشرة سنة، نشأ يتيمًا وعنيت به أمه. واشتهر علمه في الآفاق، وقيل: إنه طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وأنه حج وعمره عشرون سنة ماشيًا، ليس معه إلا جراب فيه كتبه، كان يضعه فوق لَبِنَةٍ، ويضع رأسه عليه (10) .
ومن علماء هذه الأمة الإمام البخاري، ربته أمه ثم قرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة، وصنف في قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وهو ابن ثماني عشرة، وصنف كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله لله في الليالي المقمرة (هدي الساري مقدمة فتح الباري) .
أدبهم مع شيوخهم: تلقى الإمام أحمد بعض العلم والسنن عن الإمام الشافعي خلال إقامته بالعراق، وانتقل إلى مصر وتوفي فيها. كان الإمام أحمد يقول: (ما بتّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له) ولما سأله ابنه عبد الله: أي رجل كان الشافعي؟ قال: (يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خَلَفٍ؟ أو عنهما من عِوض؟) (11) .
وعندما علم سفيان الثوري بقدوم الإمام الأوزاعي إلى مكة للحج خرج منها سفيان يستقبل ضيفها، حتى لقيه بذي طوى، وأخذ بخطام بعيره يقوده قائلًا: الطريقَ للشيخ...
هكذا كان طلب العلم عند شباب هذه الأمة، علمًا وأدبًا وخشوعًا لله.
بقدر الجد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلًا يغوص البحر من طلب اللآلي
هؤلاء هم قدوتك أخي الشاب، أبناء الرعيل الأول؛ وليسوا شباب الفن والطرب وأجيال الهزائم!
هذه نماذج نضعها بين يديك ولك فيها قدوة حسنة تنسج على منوالها بإذن الله، عسى أن تكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وفقنا الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
(1) ينظر كتب السيرة، السيرة لابن هشام، ج1 /485، والإصابة: ج3/648 مطبعة السعادة بمصر.
(2) سير أعلام النبلاء، ج2/359.
(3) البداية والنهاية، ج4/15، والإصابة، ج1/146. (4) صفة الصفوة، ج1/394.
(5) سيرة ابن هشام، ج2/75.
(6) الإصابة، ج1/46، سير أعلام النبلاء، 2/397 وحتى ص 503.
(7) البداية والنهاية، ج9/87، مع الرعيل الأول لمحب الدين الخطيب، ص200 ـ 207.
(8) الإصابة، ج2/326، وصفة الصفوة، ج1/754، والطبقات لابن سعد، صغار الصحابة، ج1/196، ص 137، تحقيق د. محمد بن صامل السلمي.