أتيت أركض والصحراء تتبعني وأحرُف الرمل تجري بين خطواتي
أتيت أنتعل الآفاق.. أمنحها جرحي وأبحث فيها عن بداياتي
إن المسلم حين يتعامل مع الدنيا على حذر، ويأخذها على أنها متاع زائل وبُلْغة مسافر؛ فإنه لن يقع عبدًا لها، ولن يبيع عزته ومكانته فداءً لها ، بل سيتخلى عن دنياه أسهل ما يكون حين تتعارض مع مبادئه وقيمه وثوابته، وحين يساوم على شيء من دينه. وقع عبد الله بن حذافة السهمي ـ رضي الله عنه ـ أسيرًا في يد الروم، فلجؤوا معه إلى الإغراء فلم يستجب، عرض عليه ملك الروم إن هو ترك دينه أن يعطيه نصف ملكه، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- طرفة عين، وفي بعض الروايات: ثم جعلوا له في بيتٍ معه الخمرَ ولحم الخنزير ثلاثًا لا يأكل، فاطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات، فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل و تشرب؟ فقال: أما إن الضرورة قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمِّتك بالإسلام (2) .
أيُّ ثبات هذا الثبات؟! وأيُّ عزة تلك التي امتلأت بها نفس ابن حذافة؟! إنها النفوس حين تتعالى عن مطامع الدنيا، وترتفع عن شهواتها.
4 ـ النظر إلى الكافر نظرة احتقار مشوبة برحمة:
هكذا ينبغي أن يكون نظرنا للكافر، لا أن ننظر له نظرة اعتزاز وإكبار، حتى ولو بلغ من الحضارة كل مبلغ، فقد صغَّر الله شأنهم، وحقَّر أمرهم، فلا يصح أن نرفع منهم، قال ـ تعالى ـ: {إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] وفي الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» (3) ، وإن ذل المعصية لا يفارق جباههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، كما يقول الحسن البصري رحمه الله: (إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إلا أن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه) (4) .
إن الذي يعلم حقيقة ما عليه الغرب الكافر اليوم، يرى أنه ليس حقيقًا بالإكبار، بل يرى أنه مجتمع متساقط متهالك، ليس لديه من مقومات البقاء شيء. يقول الرئيس الأمريكي السابق (جون كنيدي) : إن الشباب الأمريكي مائع منحل، غارق في الشهوات، وإنه من بين سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين ـ كل ذلك بسبب انهماكهم في الشهوات ـ. وتقول الإحصائيات: إنه في لندن وخلال (24) ساعة يحدث 332 اعتداء، و314 حادث سطو منزلي، و 530 حادث مرور، وتتم سرقة 116 سيارة و 273 حادث سرقه و 34 اعتداءً جنسيًا، وعلى هذا يكون معدل الجرائم في اليوم الواحد في لندن 1599 جريمة!! {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81] .