ومضوا يعبُّون السراب ويرشفون الكبرياء
لا تسأليني من أنا؟ «أنا واحد من هؤلاء»
جسدي (بأرضي) ها هنا لكن روحي في السماء
0 عوِّدْ من تقوم على تربيته أن لا يستجدي الناس شيئًا، وأن يستغني بما عنده عما في أيدي الناس، وقد قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
0 عوِّدْه ردَّ الضيم وعدم قبول الذل؛ فإن ذلك ليس من سجية المؤمن ولا من خلقه، بل هو عزيز أبيٌّ. يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة وقت خروجه من البيضة فعلِّقه بمنقاره فإن تحرك فديك، وإلا فدجاجة) (2) .
0 عوِّده أن يرفع رأسه دائمًا إلى السماء، وأن لا يطأطئ إلى الأرض. روى العسكري: (أن رجلًا مرّ على عمر ـ رضي الله عنه ـ «وقد تخشع وتذلل وبالغ في الخضوع، فقال عمر: ألستَ مسلمًا؟ قال: بلى! قال: فارفع رأسك، وامدد عنقك؛ فإن الإسلام عزيز منيع» (3) ورأت الشفاء بنت عبد الله بعض الفتيان يمشون متماوتين فقالت: مَنْ هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء النسّاك. فقالت: لقد كان عمر إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذ ضرب أوجع؛ وكان هو الناسك حقًا (4) .
(إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو كبرياء إيمانه، وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لسلطان، أو يتَّضع في مكان، أو يكون ذَنَبًا لإنسان. هي كبرياء فيها من التمرد بقدر ما فيها من الاستكانة، وفيها من التعالي بقدر ما فيها من التطامن(5) فيها الترفع على مغريات الأرض ومزاعم الناس وأباطيل الحياة، وفيها من الانخفاض إلى خدمة المسلمين والتبسط معهم، واحترام الحق الذي يجمعه بهم، فيها إتيان البيوت من أبوابها، وطِلاب العظمة من أصدق سبلها... والعز والإباء والكرامة من أبرز الخلال التي نادى الإسلام بها، وغرسها في أنحاء المجتمع وتعهد نماءها بما شرع من عقائد وسنَّ من تعاليم. وإليها يشير عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بقوله: أحِبُّ الرجل إذا سِيمَ خطةَ خسفٍ أن يقول بملء فيه: لا. .. «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك! قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله! قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد! قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» (6) ، نعم! فمن عزة المؤمن أن لا يكون مستباحًا لكل طامع، أو غرضًا لكل هاجم. بل عليه أنت يستميت دون نفسه وعرضه، وماله وأهله، وإن أريقت في ذلك دماء؛ فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع... أمَّا تهيُّب الموت وتحمّل العار طلبًا للبقاء في الدنيا على أية صورة فذلك حمق؛ فإن الفرار لا يطيل أجَلًا، والإقدام لا ينقص عمرًا. كيف؟ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا