فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 780

بل لقد كثر توارد الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «حتى كان آخر حياته يصلي جالسًا لمَّا حطمه الناس» (3) . إن الناس لو كانوا يجدون وحشةً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكونو يأتونه بهذه الجرأة ولا بهذه الكثرة. وحين يكون الوصول إلى المعلم أو المربي من الصعوبة بمكان فإن حلقات من التربية والتعليم في حياة المتعلم والمتربي ستكون مفقودة لصعوبة الاتصال.

إن الناظر في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته يرى صورًا كثيرةً من تبسُّطه -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه مع كثرة أشغاله وجدية حياته، إنه مع ذلك يجد فرصة للمزاح معهم ومخالطتهم والدخول في أحاديثهم واستشارتهم وتسليتهم ومواساتهم. وإليك شيئًا من هديه -صلى الله عليه وسلم- في ذلك:

-عن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قال في خطبة له: «إنَّا والله قد صحبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير» (4) .

-وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: «إنْ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (5) .

-روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج بالناس قبل غزوة تبوك؛ فلما أن أصبح صلى بالناس صلاة الصبح، ثم إن الناس ركبوا؛ فلما أن طلعت الشمس نعس الناس على أثر الدلجة، ولزم معاذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتلو أثره... ثم إن رسول الله كشف عنه قِناعه، فالتفت فإذا ليس من الجيش رجلٌ أدنى إليه من مُعاذ فناداه، فقال: يا معاذ! قال: لبيك يا نبي الله! قال: أُذْنُ، دُونَكَ! فدنا منه حتى لَصِقت راحلتاهما إحداهما بالأخرى. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما كنت أحسب الناس مِنَّا كمكانهم من البُعد، فقال معاذ: يا نبي الله! نعس الناس، فتفرقت بهم ركابهم ترتع وتسير، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وأنا كنت ناعسًا. فلما رأى معاذ بُشرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلوته له قال: يا رسول الله! ائذن لي أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني! فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: سلني عمّا شئت.... الحديث (6) . بالتأكيد إن هذا السؤال عند معاذ كان حبيسًا في نفسه منذ زمن، حتى إذا رأى انبساط النبي -صلى الله عليه وسلم- ورأى البِشْر في محياه استدعاه ذلك إلى سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكم في نفوس أبنائنا وطلابنا من أسئلة وإشكالات ومشاكل لو وَجَدت نفسًا بسيطة وقريبة لا يجد المتربي أو المتعلم أدنى كُلفة في التعامل معها، أو نفسًا منبسطة تجذب الناس إليها، وحين لا يجد المتربون والمتعلمون هذه النفوس فلا شك أنهم سيبحثون عن نفوس أخرى!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت