الله ـ فقال: «عشق الصور المحرمة نوع تعبُّد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبد ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيُّمًا، والتتيُّم التعبد، فيصير العاشق عابدًا لمعشوقه» (6) .
قال ابن أبي حصينة:
والعشق يجتذب النفوس إلى الردى بالطبع، واحَسَدي لمن لم يعشقِ
وقال آخر:
العشق مشغلة عن كل صالحة وسكرة العشق تنفي لذة الوسنِ
ولو أخذنا جوانب العشق كاملة لطال المقام ولكثر الكلام (7) . وقانا الله وإياكم شر العشق وشر كل سبيل موصل إليه.
2 -حب الدنيا والاغترار بها:
لم يدخل حب الدنيا في قلب امرئ إلا سلبه لبه، وأفقده بذله للآخرة؛ فهي دار غرور وبلاء، وفتنة وشقاء، فيبدأ المرء بالتنازلات السريعة عن مبادئه وعن تقاليده حتى يبلغ ذلك دينه والعياذ بالله، «وأعظم الخلق غرورًا من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة ورضي بها من الآخرة» (8) ، وكما قيل في بعض المأثورات: «الدنيا مال من لا مال له، ودار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له» ، ولا يمكن لعاقل لبيب أن ينخدع بدار زوال عما قليل فانية؛ فعقله الحكيم يبصِّره بعواقب الأمور، وضميره المتيقظ يوقظه من غفلة هذه الدنيا. ويبين لنا الرب ـ جل وعلا ـ مَثَل الحياة الدنيا فيقول ـ عزوجل ـ: {إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] ، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا؛ فإن لذَّاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا؛ فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها» (9) .
ولأن هذه الدنيا دار غرور، ولأنها دار التنافس الدنيوي الدنيء ـ ذي النهاية المعروفة ـ فقد حذرنا منها نبينا -صلى الله عليه وسلم - ، بل كانت من الأمور التي يخاف منها على أمته؛ ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي -صلى الله عليه وسلم - خرج يومًا، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: «إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض ـ أو مفاتيح الأرض ـ وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» .
ورحم الله الشافعي حين قال: