فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 780

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إليَّ عذبها وعذابها

فما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها

3 -حب المال والجاه:

حب المال وحب الجاه من الأمور التي تستعبد قلب المرء؛ فهي كالغشاوة التي تحجب الرؤية المبصرة، فتراه لاهثًا خلفها، مجتهدًا في الحصول عليها. إن اللاهث خلف المال والجاه يعمى بصره، فيقطع الأرحام من أجل المال والجاه، ويهتك الأرحام من أجل المال والجاه، ويتعامل بالمعاملات الربوية من أجل المال والجاه. يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «لا ريب أن الحرص والرغبة في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر؛ كما روى الترمذي عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فذم النبي -صلى الله عليه وسلم - الحرص على المال والشرف، وهو الرياسة والسلطان، وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، وهذا دليل على أن هذا الحرص إنما ذم؛ لأنه يفسد الدين الذي هو الإيمان والعمل والصالح؛ فكان ترك هذا الحرص لصالح العمل، وهذان هما المذكوران في قوله ـ تعالى ـ: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28 - 29] ، وهما اللذان ذكرهما الله في سورة القصص، حيث افتتحها بأمر فرعون وذكر علوه في الأرض، وهو الرياسة والشرف والسلطان، ثم ذكر في آخرها قارون وما أوتيه من الأموال، وذكر عاقبة سلطان هذا وعاقبة مال هذا، ثم قال: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83] كحال فرعون وقارون؛ فإن جمع الأموال من غير إنفاقها في مواضعها المأمور بها، وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد» (1) . وما من شك في أن حب المال عندما يطغى على قلب المرء يصبح أسيره؛ فلا يرى معروفًا ولا منكرًا، فتصبح كل الأمور لديه واحدة، والأهم في نظره هو جمع المال فقط وتحصيله من أي مصدر سواء كان حلالًا أم حرامًا.

ويصور لنا الشاعر حال ذلك المرء الذي أنفق عمره في تحصيل المال فيقول:

ومن ينفق الأيام في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقرُ

وقال الآخر:

ولا تحسبن الفقر فقر من الغنى ولكن فقر الدين من أعظم الفقرِ

من الناحية العقلية:

العقل نعمة من الله ـ عز وجل ـ أنعمها علينا؛ فبه يميز العاقل بين الخير والشر، والمعروف والمنكر، وبه تُستبصَر الأمور وتُدرك الحقائق؛ وذلك من خلال التعقل في الأمور والتمهل فيها، ولذا لما سئل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت