الأحنف عن العقل قال: «العقل رأس الأشياء، فيه قوامها، وبه تمامها، وهو سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجد، وزينة كل أحد، لا تستقيم الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه» . ومتى استخدم هذا العقل في غير مكانه ـ الذي هو الخير ـ أصبح مجرد كتلة لا تصلح لأي عمل وحيي على الشر وعلى تحقيق رغباته وأهوائه ولا نصيب للتفكير السليم فيه، فأصبح بذلك فردًا لا همَّ له سوى عبادة ما يمليه عقله عليه، فكان كما قال ـ تعالى ـ: {إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] .
? الأمور التي بها يُستعبد العقل:
1 -الانحراف الفكري:
الفكر هو لب العقل وأساسه، وتقويمه واعتماده؛ فإن سلم صحت تلك الأفكار التي يحملها فتنتج بإذن ربها ثمارها اليانعة، وإن خبثت واستقت أفكارًا خبيثة وهدامة لم يُجنَ منها إلا العلقم، ولم يبلَ العقل بمثل بلوى الانحراف؛ فهو مسلك خطير من سلكه هلك ومن اتقاه نجا واستدرك. فالانحراف الفكري كالرمال المتحركة التي سرعان ما تلقي بصاحبها داخل جوفها، هل تراه يعيش بعدها؟ وصاحب الفكر المنحرف يتلقى أفكاره من مصادر خبيثة لتصادف هوى، فيصبح بأذيالها متمسكًا وبشأنها متعبدًا؛ فهي نواة تبقى في ذهنه، وسرعان ما تنمو وتكبر مع مرور الزمن وتلقِّيه المستمر، وما ذلك إلا من الخلل الذي أحدثه في البداية وهو تلقي الأفكار من غير مصادرها الأساسية الأصلية، ثم ينعكس ذلك تمامًا على عقيدته وواقعه «.. وإذا كانت حرية العقيدة والرؤية الأساسية الكلية هي قضية لها جوانبها المطلقة والكلية؛ فإن حرية الفكر هي في أساسها انعكاسات للرؤية العقيدية الكلية على واقع الحياة وقضاياها» (2) . ولم يكن هناك شيء أخطر على الأمة من الانحراف الفكري؛ فبه تحدث المنازعات والخلافات العقدية والفكرية والشقاقات السياسية والاقتصادية ويصرفها عن النظر لواقعها وحالها، ومنه تخرج أجيال غاية علمهم التعصب لآرائهم والعداء لمن خالفهم، وتربية من خلفهم على ما تعلموه وما أتقنوه، وله تُدَس المؤامرات والدسائس والخطط والنقائص. قال ـ تعالى ـ: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .
2 -التبعية:
لم يحدث استعباد العقول وانحرافها إلا عن طريق التبعية الخاطئة، ولذا عندما عطلوا عقولهم نفى ـ سبحانه ـ الاهتداء والتعقل عن هؤلاء الذين يتبعون الآخرين وإن كان أمرهم خاطئًا، فقال: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] ، فالأمر يزداد خطورة عند عدم إدراك من نتبع وأي طريق يسلك، وما