فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 780

كان انحراف الأكثرية في السنين الماضية إلا عندما سلكوا مسلك التبعية الخاطئة، وانتهجوا نهجه، ولنا في قصة (رفاعة الطهطاوي) و (عبد الرحمن الكواكبي) عبرة؛ وذلك حينما كانا على تبعية حمقاء؛ فـ «أزمة الطهطاوي تتلخص في أنه ابتعد إيمانيًا عن فرنسا واقترب حضاريًا ـ إلى حد التبعية ـ لها، واستسلم لمزلق تفصيل الفكر الإسلامي بما يناسب الفكر الأوروبي الحديث» (1) ، وأما الكواكبي «فقد أخطأ عندما تصور مجد الإسلام يعود بنظام سياسي على النمط الأوروبي، وأخطأ ثانية عندما أحسن الظن بالسياسيين الاستعماريين وبالقوى الصليبية» (2) . ولنعلم أن التبعية التي لا أصل لها من الكتاب والسنة لا تولِّد لا حضارة ولا فكرًا؛ وإن حدث ذلك فهو ناقص وسرعان ما يزول؛ إذ إن من شأن الأمور الوضعية أنها تزول وإن استمرت برهة من الزمان؛ وذلك لأنها لا توافق البشر كلهم وإن رغبها بعضهم، ولا يظن آخرون أنه عند استمرار حضارة ما أو فكر ما قد خالطه تبعية غربية أنه باق ما بقي الدهر، أو أن زواله مستحيل، كلا! بل على العكس تمامًا، إن زواله قريب وانهياره سريع.

? ثانيًا: استعباد خارجي (بدني) :

وهذا الاستعباد أهون من الاستعباد الباطني بكثير؛ إذ إن هذا ليس من اختيار العبد وغالبًا على أمره، وربما كان ابتلاءً من الله لعبده المؤمن وتمحيصًا له، وفترته قد لا تستغرق وقتا طويلًا. نعم! ربما سلبت حريته البدنية، ربما سلبت كرامته، وربما سلب كل أمر ظاهري منه، ولكنه لم يُسلب قلبه، ولم يسلب عقله وتفكيره؛ فهو يعيش الحرية داخليًا، ويفقدها خارجيًا «ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولَّدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب» (3) .

أنَا مُسْلمٌ وأقولُها مِلءَ الوَرَى وعقيدَتِي نورُ الحيَاةِ وَسُؤْدُدِي

وما صبر الكثير على طريق الايمان إلا عندما أوذي وسجن وعُذِّب، وما يظن عاقل انه بإمكانه الاستمرار على هذا الطريق دون ابتلاءات وفتن. قال ـ تعالى ـ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] ، «إن الايمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال؛ فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا؛ وهم لا يُتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب» (4) ، وقال ـ تعالى ـ: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران: 186] ، «إنها سُنَّة العقائد والدعوات: لا بد من بلاء، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس، ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام، إنه الطريق إلى الجنة. وقد حُفَّت الجنة بالمكاره. كما حفت النار بالشهوات» (5) ، وعلى قدر إيمان المرء يكون ابتلاؤه، كما روى سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال: «قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت