وعلى هذا المنهج القويم تربى السلف الصالح من الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم؛ فقد ذكر ابن قتيبة الدينوري ـ رحمه الله ـ جملة من أخبارهم في هذا الجانب؛ فهذا ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يبحر في عالم المروءات والقيم عندما يقول: «ثلاثة لا أكافئهم...» ثم ذكرهم، وقال: «أما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل؛ قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر، فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلًا لحاجته، فأنزلها بي» (1) . وقيل لابن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، فقيل: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان (2) ، وقال: الحسن ـ رضي الله عنه ـ: لأن أقضي حاجة لأخ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف سنة (3) . وهكذا يبرز الاهتمام بهذا الجانب المهم في حياة أولئك الأفذاذ جيلًا بعد جيل، حتى ظهر أثر ذلك في أدبهم العربي الرفيع، وأصبح المدح بخدمة الناس، ومواساتهم من أغراض الشعر البارزة، ولا أدل على ذلك من قول الشاعر:
بدا حين أثرى بإخوانه ففكك عنهم شباة العدم
وذكره الحزم غب الأمور فبادر قبل انتقال النعم
? أهمية نفع الناس:
إن خدمة الناس، والسعي في قضاء حوائجهم جسر من المعروف محفوف بالمتاعب والتضحيات، ولكنه يوصل بإذن الله ـ تعالى ـ إلى أرقى العلاقات المثمرة المؤدية إلى السيادة؛ حيث لا شك أن خادم القوم سيدهم، وما أحسن قول الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
ومن هنا فإن على الدعاة اليوم أن يتسابقوا إلى نفع الناس، ودفع المكروه عنهم، وخاصة في هذا الزمن الذي كثر فيه الكلام، وقلّ فيه العمل، وظهر فيه الشح والأثرة، وتعانق فيه الفقر والجهل؛ فما أحوج الناس إلى الكلمة الحانية والمواساة الكريمة، والخدمة الجيدة، والنفع المتعدي، وبالذات في هذا العصر الذي ملَّ فيه الناس من جعجعة بلا طحين وعلقت آمالًا كبيرة على الدعاة والمصلحين. وهذان بيتان من الشعر، هما في الحقيقة حكمة عظيمة، خرجت من أفواه الأولين لتقول لنا جميعًا:
وليس فتى الفتيان من راح واغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوقِ
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى لضر عدو أو لنفع صديقِ
? ثمار العلاقات الاجتماعية:
في ختام هذه المقالة يحسن التنبيه إلى بعض القضايا المهمة التي تساهم بمجموعها في إخراج ملخّص للثمرة المرجوة من هذه الدراسة:
القضية الأولى: يجب أن ندرك أهمية بناء العلاقات الاجتماعية. يقول الدكتور إبراهيم القعيد: (إن العلاقات الإنسانية في بيئة العمل هي المادة اللزجة التي تحرك آلة العمل والإنجاز، وكلما كانت هذه المادة عالية اللزوجة أدت إلى تحقيق نتائج باهرة، وأوصلت الإنسان إلى قمم من الأداء والرضى