في وصيته الشهيرة: «إنك أنْ تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرْهم عالةً يتكففون الناس» (2) ، وهو الذي دعانا إلى الخروج من رِبقة الفقر والتحرُّرِ من ذِلَّة الحاجة والمسألة، فقال: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى» (3) .
وليعلم ـ كذلك ـ الغنيُّ الواجد أنَّ الغِنَى الذي ينعمه وسعةَ المال التي أُوتيها؛ ليست منزلةً يستكثرُها عليه الإسلام فيمقته عليها، أو يدعوه أن ينسلخَ منها، أو ينخلعَ من ماله وقد كسبه من حِلِّه، كيف وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنِّ هذا المالَ خضِرةٌ حلوةٌ؛ فمن أخذه بحقِّه ووضعه في حقِّه؛ فنِعمَ المعونةُ هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» (4) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «نِعمَ المالُ الصالح للرجل الصالح» (5) .
أمَا إن الإسلامُ لا يَذُمُّ الغِنَى، ولكنَّه يذمُ السَّرَفَ والتَّرَفَ فيه، وهو ـ كذلك ـ لا يُثني على فقيرٍ بفقره، ولكنَّه يُثني على حُسنِ ظنِّه وصبره.
فإذن ليس يلحق الغِنى ذمٌّ كما لا يلحق الفقرَ ثناء، وإنما العبرةُ بثباتِ الإنسان وتقواه وأخذِه في كلِّ حال بما يناسبها، فَلَغَنيٌّ متعفِّفٌ شاكرٌ خيرٌ من فقير حسودٍ ساخط؛ يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ويتسخط قضاءَ الله وقدرَه، وَلَفَقيرٌ صَابرٌ خيرٌ مِنْ غنيٍ جَاحدٍ: لا يرى لله عليه فَضْلًا، ولا يَرفعُ إليه شُكْرًا.
فإن تساءل أحدٌ: فأين الأحاديث في ذم المال، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما ذئبان جائعان أُرسلا على غنم، بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف؛ لدينه» (6) ، ونحو ذلك من الأحاديث؟
فإننا نجيب عن ذلك بما أجاب به الإمام الحافظُ ابنُ عبد البر؛ إذ قال: «وجهُ ذلك كلِّه ـ عند أهلِ العلم والفهم ـ في المال المكتسب من الوجوه التي حرَّمها الله ولم يُبِحْها، وفي كلِّ مالٍ لم يُطِعِ الله جامعُه في كسبه، وعصى ربه من أجله وبسببه، واستعان به على معصية الله وغضبه، ولم يؤد حقَّ الله وفرائضَه فيه ومنه؛ فذلك هو المال المذموم والمكسب المشؤوم. وأمّا إذا كان المال مكتسبًا من وجهٍ مباح، وتأدّت منه حقوقُه، وتُقرِّبَ فيه إلى الله بالإنفاق في سبيله ومرضاته؛ فذلك المالُ محمودٌ، ممدوحٌ كاسبُه ومنفقُه، لا خلاف في ذلك بين العلماء، ولا يخالف فيه إلاّ مَنْ جهل أمرَ الله» ا هـ.
فإن قيل: لو كان في الغِنى خيرٌ لاختار له الله أفضلَ عبادِه رسولَه -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه عاش فقيرًا مسكينًا. قلنا: أمّا هذا فوَهْمٌ؛ فلم يعش -صلى الله عليه وسلم- فقيرًا ولا مسكينًا بالمعنى الذي يفهمه الناس للمسكنة؛ مِن الحاجة إلى الناس وهوانِ النفس، بل كان عائلًا في أول حياته فأغناه الله، ومنَّ عليه بذلك فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 8] ، وجمع الله له بين مقامَيِ الصبرِ والشكر، وكيف يصحُّ هذا الزعم، وهو الذي كان يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، ويثيب على الهدية بخيرٍ منها، وأنَّى يكون له الفقرُ وهو الذي كان يستعيذ بالله منه. وأمّا أنه لم يكن من أصحاب