فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 780

الثراء؛ فنعم! ولكن لله في ذلك الحكمةُ البالغة؛ فإنّه ـ سبحانه ـ لم يختر نبيّه -صلى الله عليه وسلم- صاحبَ ثراء، بل ولا زعيمَ قبيلة، ولا رئيسَ عشيرة، ولا صاحبَ جاه؛ كيلا تلتبس قيمةٌ واحدة من قيم هذه الأرض بهذه الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بزينة من حلي الأرض ليست من حقيقتها في شيء، ولكي لا يدخلها طامعٌ ولا يتنزَّه عنها متعفف.

وإننا حين نستجلي موقفَ الإسلام من المال، وحين نستبينُ منزلةَ الغِنى والفقر فيه؛ فليس خوفًا على الأغنياء أن ينخلعوا من أموالهم ويتخفّفوا من ثرواتهم، ولا خشيةً على الفقراء أنْ يستمسكوا بغَرْزِ الفقرِ لا يبغون عنه حولًا؛ فما على الناس من خوفٍ في هذا الباب أبدًا، وإنما الخوف عليهم من ضدِّه، ولكننا نستذكر ذلك لقصدين:

أمّا الأول: فهو تبرئة الإسلام مما أُلصق به، أو ظُنَّ أنه من شِرعته من المزاعم الباطلة، ومن ضروب ذلك: توهُّمُ النُّفرة بين طلب المال والسعي للآخرة، وتوهُّمُ التناقضِ بين الغنى والزهد، وظنُّ التلازم بين الثراء والفجور.

وكم يلد الجهلُ للإسلام من تُهمةٍ تتدثَّر بدثاره وتلبس لَبُوسَه وهو منها براء! والجهل بأحكام الشريعة والفهمُ المغلوطُ لحِكَمِها يُري صاحبَه أنَّ كلَّ مشهدٍ في واقع المسلمين هو ظلٌّ لشريعة الإسلام يُحسَبُ عليها، حتى أصبحتْ صورتُه باهتةً شائهةً مُرقَّعة.

وأمَّا القصدُ الثاني: فهو رسالةٌ إلى كلِّ غنيٍ متعفِّفٍ طاهرِ اليد لم يكتسب مالَه إلا من حِلِّه، رسالةٌ نُشعِره فيها وبها عظيمَ نعمةِ الله عليه؛ فقد فضّلَه وبَوّأَه منزلةً حُرِمَها كثيرون، فعليه أنْ يَستتمَّ هذه النعمةَ بالشكر، ولا ينبغي له ـ وهو في غمرة النعيم ورغدِ العيش ـ أنْ ينساها أو يتغافلَ عنها، وإلاَّ فإنّ نسيانَها أجدرُ أن يستجرَّه إلى نكرانها، وإنْ تغافلَ عن شكرِها فذلك أوْلى به أن يزدريَها.

ثم ليذكر نعمةً أُخرى هي من تمام هذه النعمةِ وكمالها، ليذكر نعمةَ الله عليه إذ وفَّقه للرزق الحلال يستطيب به مطعَمه، فكثَّرَه الله له، وبارَكَ له فيه، وحماه ـ بفضله ورحمته ـ أنْ يستهويَه كسبٌ خبيثٌ، فلم ينهزم لإغرائه كما انهزمتْ أمامَه القلوبُ المنخوبةُ التي وَثِقتْ في الدنيا أكثرَ من الآخرة، فاستأكلت من هذا المالِ الخبيث، ونمَّتْ ثراءَه به، ونبتَ لحمُها من سُحتِه، فليس شيءٌ أوْلى بها بعد ذلك إلاَّ النار، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «كلُّ لحم نبت من سُحتٍ فالنار أوْلى به» (7) ؛ فهذا بابٌ عظيمٌ مُشرعٌ إلى النار، ولكنَّ الله ـ تعالى ـ نجَّاه منه، ولولا فضلُ الله عليه ورحمتُه لتكبكبَ فيها مع الهالكين.

غير أنَّ شكرَ هذه النعمةِ الواجب لا تقوم به تمتمةُ اللسان بكلمات الحمد والشكر، وإنما يقوم بشكرِها حقًَّا عملُه فيها وبها؛ بأن يتقيَ اللهَ في إنفاق ماله كما كان يتقيه في كسبه، فيؤدي حقَّ الله فيه بلا مَنٍّ ولا أذى، ويبذلُه في مرضاته لا يؤودُه عن ذلك شحٌّ ولا بخل، ولا يضعُه في حرامٍ، ولا يُفضي به إلى تَرَفٍ ولا سَرَف، ولا ينحرفُ به عن الغاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت