فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 780

إنَّ من أخطر الوساوس وأخبثِ الحيل التي يتسلل بها الشيطان إلى قلب الغني ليثنيه عن الخير، ويعطفه عن التسبب إلى الصلاح ـ أنْ يقذفَ في رُوعه: أنَّ هذا الثراءَ العريضَ الذي يملكه قد باعد بينه وبين الزهد والتعبد، وقارَب بينه وبين الغفلة والإخلاد إلى الأرض، فتستحيل هذه الوساوس عُقَدًا في نفسه، تمُدُّ له في الغفلة، وكأنها حالٌ طبيعية لازمةٌ لكل غنيٍّ مثلِه، وتُضلُّه عن كثيرٍ من أبواب الخير؛ فلا يرى منها إلا ما لا يناسب حالَه لكثرة شواغله كنوافل الصلاة والصيام، فيستسلم لخدْرِ هذه الوساوس، ويفرِّط في استعمال جاهه وثرائه في مرضاة الله.

ودفعًا لهذه الوساوس؛ فليعلم الغنيُّ أنّ الزهدَ الذي يدعو إليه الإسلام لا ينافي حالةَ الغنى، ولا يختصُّ بحالة الفقر والمسكنة، بل إنَّ زهدَ الغَنيِّ أصدقُ وأكملُ من زهد الفقير؛ لأنَّ زهدَ الغني عن قدرةٍ واختيار، وزهدَ الفقير عن عجزٍ واضطرار، وبينهما فرقٌ بعيدٌ.

وحقيقةُ الزهد فراغُ القلب من الدنيا لا فراغ اليدين منها، ولذا فكم من غنيٍّ هو في ثرائه أزهدَ من الفقير في فقره؛ لأنه ملك المال ولم يملكه المال، فزهِدَ في شهواتِ الدنيا وهو قادر عليها، وابتغى فيما آتاه الله الدارَ الآخرة وفي يديه ما أغرى أمثالَه عنها.

والزهد يتأتَّى للغني ولو كان له مالُ قارون؛ لأن الإسلامَ يزهِّدُه في الدنيا بقدر ما يمنعه من إيثارها على الآخرة.

إنَّ الزهدَ لا يمنع الغنيَّ أنْ يُريَ ربَّه أثرَ نعمتِه عليه، ولا أن يحدِّث بها، إنما يمنعه الترفَ والسرفَ، وما تولَّد منهما من المخيلةِ والكِبر، والبغيِ والفخر، وهذه المعاني هي أشدُّ ما يُناقض الزهدَ ويُناهضه.

وأمَّا المسكنةَ التي يحبها اللهُ من عبده فليست هي مسكنةَ الفقر، ولكنَّها انكسارُ القلب وذلُّه وخشوعُه وتواضعُه لله، وهذه المسكنةُ لا تنافي الغنى، ولا يُشترط لها الفقر.

ولو استشعر الغَنيُّ أنه في منزلةٍ هي من أوسعِ المنازل وأقربِها لوجوه الخير كُلِّها أو أكثرِها لأَعْظَمَ تفريطَه في اغتنامها، وَلَتحسَّر على تضييعها وهي قريبة بين يديه؛ فإنَّ أمامه من أبوابِ الخير والبر والإحسان ونصرةِ الإسلام ما لا يغنى أحدٌ فيها غَناءه، ولا يبلي أحدٌ فيها بلاءَه، فإنَّ بلاءَه فيها يغني غَنَاءَ الآلاف ممن يعيشون حياة الكفاف، ولو وَلَجَها لسبق بالأجر أولئك المنقطعين للعبادة الذين كان يحسَبُ أنّهم سابقون بالأجر لا يُدركهم أحدٌ، فضلًا أن يسبقهم؛ فهل يسعه وهو يرى سِعةَ طرقِ الأجر بين يديه أنْ يفرِّطَ فيها أو يزدريَها؟!

أتى فقراءُ المهاجرين رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: ذهب أهلُ الدثور من الأموال بالدرجات العُلا والنعيمِ المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجُّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أفلا أعلِّمكم شيئًا تُدركون به مَن سبقكم، وتسبقون به من بَعدَكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَن صنع مِثلَ ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! فقال: «تُسبِّحون وتكبرون وتُحمِّدون دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت