لقد كان -صلى الله عليه وسلم- نِعم المربي ـ بأبي هو وأمي ـ لقد حاز على جماع الأخلاق وجميل الصفات، وارتسمت فيه صفات القائد الناجح والمربي الناصح؛ فحري بالمربين والدعاة الاقتداء به. قال - تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
[الأحزاب: 21] .
u السلف الصالح والمتابعة:
لقد كان علماء الأمة حريصين على متابعة طلابهم وتفقدهم إذا غابوا، والسؤال عنهم، بل الذهاب إلى بيوتهم وزيارة مرضاهم وتشييع جنائزهم.
1 -فهذا الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ: فقدَ أحد طلابه في الحلقة وهو بقيُّ بن مخلد، وكان مريضًا؛ فما كان منه إلا أن سأل عنه، فأُعلم بأنه مريض، قال بقيٌّ:"فقام من فوره مقبلًا إليَّ عائدًا لي بمن معه من طلاب العلم، فسمعت الفندق قد ارتج بأهله، وأنا أسمعهم يقولون: هو ذاك، أبصروه، هذا إمام المسلمين مقبلًا، فبدر إليَّ صاحب الفندق مسرعًا، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن! هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلًا إليك عائدًا لك.. فدخل فجلس عند رأسي، فما زادني على هذه الكلمات، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن أبشر بثواب الله! أيام الصحة لا سقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية، فرأيت الأقلام تكتب لفظه (1) ."
2 -ذكر الذهبي ـ رحمه الله ـ: أن سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ زوَّج ابنته لأحد طلابه، وهو كثير بن المطلب بن أبي وداعة رحمه الله؛ وذلك عندما فقده من حلقة العلم في المسجد وسأل عنه فأُخبر بأن زوجته توفيت، فقال له: ألا أخبرتنا فشهدناها؟ ثم قال: هل استحدثتَ امرأة؟ فقلت: يرحمك الله؛ ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: أنا. فزوجه بدرهمين، وهي المرأة التي خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد فأبى عليه، وزوَّجها الطالبَ الملتحق بحلقة العلم.
3 -وهذا أبو يوسف من أخص تلاميذ أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ يقول: «كنت أطلب الحديث وأنا مقلُّ المال، فجاء إليَّ أبي وأنا عند الإمام، فقال لي: يا بني! لا تمدن رجلك معه؛ فإن خبزه مشوي وأنت محتاج. فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي؛ فسأل عني الإمام وتفقدني، وقال ـ حين رآني: ما خلَّفك عنا؟ قلت: طلب المعاش. فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إليَّ صرة فيها مائة درهم، فقال: أنفق هذا! فإذا تم أعلمني، والزم الحلقة؛ فلما مضت مدة دفع إليَّ مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام، كأنه يُخبَر عني بنفادها حتى بلغتُ حاجتي من العلم. أحسن الله مكافأته، وغفر له» . لقد صار هذا التلميذ أعز من أبناء العالم، حيث حمل لواء العلم بعد الإمام ومقرر المذهب من بعده، ولم يحصل له أن يتعلم ويصل إلى ما وصل إليه في الفقه والعلم لو لم يجد الإكرام والبذل والمتابعة من أبي حنيفة رحمه الله (2) .