فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 780

المسلم والآثار النفسية للإيمان

د. عز الدين المفلح

غني عن القول أن قضية الإيمان هي قضية مصيرية بالنسبة للإنسان، إنها سعادة الأبد أو شقاء الأبد. إنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا. والإيمان ليس مجرد إعلان المرء أنه مؤمن، وليس مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر اعتاد أن يقوم بها المؤمنون، وليس مجرد معرفة ذهنية بحقائق الإيمان.

وبكلمة مختصرة: ليس الإيمان مجرد عمل لساني، ولا عمل بدني، ولا عمل ذهني، بل هو عمل نفسي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بجوانبها كلها:

من هنا فإنه لا بد من إدراك ذهني تتكشف به حقائق الوجود على ما هي عليه، وهذا الانكشاف لا يتم إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم، ولا بد من أن يبلغ هذا الإدراك العقلي حد اليقين الذي لا يزلزله شك ولا ارتياب. ولا بد من أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة، ولا بد من أن يتبع تلك المعرفة حرارة وجدانية مسعدة. ومضمون هذا الإيمان هو وجود الله تعالى، ووحدانيته، وكماله، والإيمان بالنبوة والرسالة، وبوحدة الدين عند الله، والإيمان بمُثُل عليا إنسانية واقعية، وقدوات بشرية ممتازة، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق، وصوالح الأعمال، وفضائل النفوس، حقائق واقعة وشخوصًا مرئية للناس، لا مجرد أفكار في بعض الرؤوس، أو أمانٍ في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس.

ثم كيف يقبل العقل الحُرّ، أو ترضى الفطرة السليمة أن تنتهي الحياة، وقد طغى فيها من طغى، وبغى فيها من بغى، وقتل فيها من قتل، وتجبر فيها من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى، وأفْلَت ونجا؟ وفي الجانب الآخر: كم استقام من استقام، وأحسن من أحسن، وضحّى من ضحّى، وجاهد من حاهد، وقدّم من قدّم، ولم ينل جزاء ما قدّم! ألا يحق للعقل أن يؤمن إيمانًا جازمًا أنه لا بد من وجود دار أخرى، تسوّى فيها الحسابات، يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ قال ـ تعالى ـ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

الإنسان مخلوق كريم عند الله، خلقه في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، وصوَّره فأحسن صورته، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خلفية في الأرض، وسخر له ما في السموات، وما في الأرض جميعًا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؛ فكل ما في الكون له ولخدمته، أما هو فجعله ـ تعالى ـ لنفسه. لذلك يشعر المؤمن بذاته، ويغالي بقيمة نفسه؛ لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود؛ فيحيا عزيز النفس، عالي الرأس، أبيًا للضيم، عصيًا على الذل والهوان، بعيدًا عن الشعور بالتفاهة والضياع، والصغار والفراغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت