والإنسان في نظر الماديين لا يزيد ثمنه عن مئة من العملات الرخيصة؛ لأن فيه من الدهن ما يكفي لصنع سبع قطع من الصابون، وفيه من الفحم ما يكفي لصنع سبعة أقلام من الرصاص، وفيه من الفوسفور ما يكفي لصنع مئة وعشرين عود ثقاب، وفيه ملح المغنزيوم ما يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات، وفيه من الحديد ما يساوي مسمارًا متوسط الحجم، وفيه من الكلس ما يكفي لطلاء بيت دجاج، وفيه من الكبريت ما يكفي لتطهير جلد كلب واحد، وفيه من الماء ما يزيد عن ثلاثين لترًا.
السلامة والسعادة، مطلبان ثابتان لكل إنسان، كائنًا من كان، في كل زمان ومكان، من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته، ومن الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الحقير، ومن المترف في ملذاته، إلى الفقير في ويلاته. ولكن السؤال الذي يحير الإنسان عبر العصور والأجيال: أين السعادة؟ ولماذا الشقاء؟ والجواب: لقد طلبها الأكثرون في غير موضعها، ومظانها، فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء صفر اليدين، مجهود البدن، كسير النفس، خائب الرجاء.
لقد توهموا في ألوان المتع المادية، وفي أصناف الشهوات الحسية، فما وجدوها تحقق السعادة أبدًا، وربما زادتهم مع كل جديد منها همًّا جديدًا: «خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها همًّا، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر» . ولا بد من التفريق بين السعادة واللذة.
اللذة طبيعتها حسية، مرتبطة بالجسد الفاني، تأتي من خارج الإنسان؛ فهو يلهث وراءها، ويتعب في تحصيلها، وهي متناقضة في تأثيرها، تتبعها كآبة مدمرة، وتنقطع بالموت؛ فإن كانت مبنية على الظلم والعدوان، استحق صاحبها جهنم إلى أبد الآبدين. بينما السعادة طبيعتها نفسية، مرتبطة بذات الإنسان الخالدة، تنبع من داخل الإنسان، سهلة في تحصيلها، متناسبة في تأثيرها، يشقى الإنسان بفقدها، ولو ملك كل شيء، ويسعد بها، ولو فقد كل شيء، تقفز إلى ملايين الأضعاف بعد الموت، يستحق صاحبها جنة، عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها نظر إلى وجه الله الكريم، ورضوان من الله أكبر.
واللذة تحتاج إلى عناصر ثلاث: وقت، وصحة، ومال. والإنسان يفتقد هذه العناصر في كل طور من أطوار حياته؛ ففي الطور الأول من حياته يتوافر الوقت والصحة، ويفتقد المال، وفي الطور الثاني من حياته يتوافر المال والصحة، ويفتقد الوقت، وفي الطور الثالث من حياته يتوافر الوقت والمال وتُفتقد الصحة. بينما السعادة تحتاج إلى عناصر ثلاث: إيمان بالله إيمانًا حقيقيًا، واستقامة على أمره، وعمل صالح تجاه خلقه. وهذه متوافرة في كل زمان ومكان، وفي طور من أطوار حياة هذا الإنسان.
غاضب زوجٌ زوجته، فقال لها: لأشقينك! فقالت الزوجة في هدوء: لا تستطيع أن تشقيني، كما لا تملك أن تسعدني. فقال الزوج في حَنَق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في مال وكنت تملكه لقطعته عني، ولو كانت السعادة في الحلي والحلل، لحرمتني منها، ولكنها في