فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 780

شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون، فقال الزوج في دهشة: وما هو؟ فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي. هذه هي السعادة الحقة التي لا يملك بشر أن يعطيها، ولا يملك أحد أن ينتزعها ممن أوتيها.

{قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَن تُلْقِيَ وَإمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ* وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 115 - 126] . ما الذي لاح لهؤلاء السحرة، وما الذي شعر به هؤلاء حتى تحدوا فرعون وما أدراكم من فرعون؟ إنها السعادة التي غمرت قلوبهم فآثروها على دنياهم العريضة التي وعدهم فيها فرعون.

ولكن لا ننكر أن للجانب المادي مكانًا محدودًا في تحقيق السعادة؛ فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح» (1) ، ولكن ليس لهذا الجانب المكان الأول ولا الأفسح، والمدار فيه على الكيف لا على الكم؛ فحسب الإنسان أن يسلم من المنغصات المادية التي يضيق بها الصدر: من مثل المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء، وأن يمنح الأمن والعافية، وأن يتيسر له القوت من غير حرج ولا إعنات. وما أروع وأصدق الحدث النبوي: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (2) . ويقول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إن الله ـ تعالى ـ بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الهمّ والحزن في السخط والشك» (3) . يكشف هذا الحديث الشريف عن حقيقة نفسية باهرة؛ فكما أن سنة الله قد ربطت الشبع والري بالطعام والشراب في عالم المادة؛ فإن سنته ـ تعالى ـ في عالم النفس قد ربطت الفرح والروح (أي السرور وراحة النفس) بالرضا واليقين؛ فبِرِضا الإنسان عن نفسه، وعن ربه، يطمئن إلى يومه وحاضره، وبيقينه بالله وبالجزاء في اليوم الآخر، يطمئن إلى غده ومستقبله، كما ربطت سنة الله الغم والحزن بالسخط والشك.

فالساخطون والشاكون لا يذوقون للسرور طعمًا، إن حياتهم كلها سواد ممتد، وظلام متصل، وليل حالك لا يعقبه نهار. أما حزن المؤمن فلغيره أكثر من حزنه لنفسه، وإذا حزن لنفسه فلآخرته قبل دنياه، وإذا حزن لدنياه فهو حزن عارض موقوت كغمام الصيف، سرعان ما ينقشع إذا هبت عليه رياح الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت