فذكَّرهم بالله وبالإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يذكِّره ويسأل عنه حتى بلغه حاله، وما قام به؛ فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرًا (1) .
فالناس يموتون على ما عاشوا عليه؛ فمن عاش جميعًا مات جميعًا، ومن عاش أوزاعًا شتى، وأجزاء متناثرة، مات عاش، وقليل من الناس، بل أقل من القليل ذلك الذي يعيش لغاية واحدة، ويجمع همومه في همّ واحد، يحيا له، ويموت له، ذلك هو المؤمن البصير الذي غايته الفرار إلى الله، وسبيله اتباع ما شرع الله، وكل شيء في حياته لله وبالله، حاله تنطق به هذه الآية: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، وقال ـ تعالى ـ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .
إن الناس يخافون من أشياء كثيرة، وأمور شتى، ولكن المؤمن سد أبواب الخوف كلها، فلا يخاف إلا من الله وحده، يخافه أن يكون فرَّط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم؛ لأنهم لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. والمؤمن آمن على رزقه أن يفوته؛ فإن الأرزاق في ضمان الله الذي لا يُخلِفُ وعدَه، ولا يضيع عبده، وهو الذي يُطعم الطير في الوكنات، والسباع في الفلوات، والأسماك في البحار، والديدان في الصخور، وهو الذي يسمع دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. لقد كان المؤمن يذهب إلى ميدان الجهاد حاملًا رأسه على كفه متمنيًا الموت في سبيل عقيدته، ومن خلفه ذرية ضعاف، وأفراخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر، ولكنه يوقن أنه يتركهم في رعاية رب كريم، هو أبر بهم، وأحنى عليهم منه، وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إني عرفته أكَّالًا وما عرفته رزَّاقًا، ولئن ذهب الأكَّال، لقد بقي الرزاق. وهو آمن على أجله؛ فإن الله قدر له ميقاتًا مسمى، أيامًا معدودة، وأنفاسًا محدودة، لا تملك قوة في الأرض أن تنقص من هذا المقدار أو تزيد فيه.
هدد الحجاجُ سعيدَ بن جبير التابعي الجليل بالقتل، فقال له سعيد: «لو علمتُ أن الموت والحياة في يدك، ما عبدت إلهًا غيرك» . إن الإيمان والأمل متلازمان، فالمؤمن أوسع الناس أملًا، وأكثرهم تفاؤلًا واستبشارًا، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر؛ إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون، لا يخفى عليها شيء، ولا تعجز عن شيء، بيدها كل شيء.
المؤمن يعتصم بهذا الإله العظيم، البر الرحيم، العزيز الحكيم، الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعَّال لما يريد، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، أرحم بعباده من الأم بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم. فالمؤمن إذا حارب كان واثقًا بالنصر؛ لأنه مع الله فالله معه، ولأنه لله فالله له: {إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 172 - 173] . وهذا درس بليغ لنا في معركتنا مع أعدائنا. والمؤمن إذا مرض لم ينقطع أمله في العافية: {وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] والمؤمن إذا اقترف ذنبًا لن ييأس من المغفرة: قُلْ يَا عِبَادِيَ