فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 780

الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53] . وإذا أعسر لم يزل يؤمل باليسير: {فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] .

وإذا انتابته كارثة من الكوارث كان على رجاء من الله أن يأجره في مصيبته، وأن يخلفه خيرًا منها. وإذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق، ويصول ويجول، أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار. وإذا أدركته الشيخوخة، واشتعل رأسه شيبًا لا ينفكُّ يرجو حياة أخرى: شبابًا بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادة بلا شقاء.

المحبة هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وهي الحياة التي من حُرِمَها فهو في جملة الأموات، وهي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، وهي الشفاء الذي من عدمه حلّت به الأسقام، وهي اللذة التي من لم يظفر بها؛ فعيشه كله هموم وآلام، لذلك قال -صلى الله عليه وسلم- فما رواه أنس بن مالك: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يُلقى في النار» (1) . فالمؤمن من يعرف ربه، ويحبه، ويخطب وده، ويستقيم على أمره، ويعمل الصالحات ابتغاء وجهه، عندئد يجد حلاوة الإيمان، ويصبح شغله الشاغل التقرب إلى الله بالنوافل. وفي الحديث القدسي: «لا يزال عبدي يتقَّربُ إليَّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» (2) .

كثيرون هم الذين يدَّعون محبة الله ورسوله، ولا تجد في أعمالهم ما يُثبت ذلك، إنهم خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابتُلوا، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حُرقة الشجي، لذلك طولب المدعون بإقامة الدليل على صحة دعواهم فقال ـ تعالى ـ: {قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31] . المؤمنون هم أصبر الناس على البلاء وأثبتهم في الشدائد، وأرضاهم نفسًا في الملمات، عرفوا أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، وأن من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وعرفوا أن ما ينزل بهم من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة إلهية، فآمنوا بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وعرفوا أن الله يقدر ويلطف، ويبتلي ويخفف، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره، وعرفوا أن وراء كل شدة فرجًا، وأن وراء كل محنة منحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت