الرجل وأدَعُ الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب». قال عمرو بن تغلب: «فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم» (2) .
فتأمل نفاذ نظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معرفة خصائص أتباعه، وتربية كل منهم بما يناسب فطرته وميوله ودوافعه الخاصة به. وعلى ذلك فالمربي ملزم بمعرفة أتباعه وخصائصهم النفسية عن قرب؛ حتى يستطيع التعامل معهم والقيام بتربيتهم على أكمل وجه، ولا يكون ذلك إلا بمعايشتهم ومخالطتهم.
ز ـ حل مشاكل المتربين الخاصة والأسرية:
يسعى المربي الناصح في برنامجه التربوي أن يوفر للمتربي الاستقرار النفسي الذي يساعده على الاستجابة، ومن ثم العطاء والإنتاجية، ولكن تبقى المشاكل الخاصة أو الأسرية في المتربين عائقًا لهذا الاستقرار. وبإمكان المربي من خلال معايشته، ومخالطته لمن يربيهم، وبقربه منهم، واهتمامه بهم حل تلك المشكلات وتذليلها، وتجاوز تلك العقبات. ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - كذلك معايشًا لأصحابه قريبًا منهم مهتمًا بهم وبحل مشاكلهم، يسأل عن أحوالهم، وعما يكدر خواطرهم، ويظهر ذلك مما يلي:
عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة! ما لي أراكَ جالسًا في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» . قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي وغمي، وقضى عني ديني» (3) .
5 ـ أثر المعايشة في الاستجابة:
معايشة المتربين ومخالطتهم له الأثر الفاعل في استجابتهم، فبقدر ما يعطي المربي من اهتمام لهذا المفهوم في واقعه التربوي بقدر ما تكون استجابة المسترشدين له، والإقبال عليه.
ففي قصة أصحاب الأخدود تروي لنا الأحاديث أن: الغلام كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، حتى ذاع صيته، وانتشر خبره؛ فأقبل الناس عليه أفواجًا، واستطاع بمعايشته الناس، والقرب منهم أن يكوِّن رصيدًا مباركًا من حب الناس له والإقبال عليه، لقد قدم لهم وقته، وجهده، وما أعطاه الله من موهبة وطاقة، وقدموا المهج من أجل الدين الذي أتى به اعتقادًا