بعد أن اتضحت حقيقة التوكل والفهم الصحيح له ومراتب الناس فيه ، فيجدر بنا الآن أن نتعرف على بعض مظاهر وصور الانحراف التي طرأت على هذا العمل العظيم من أعمال القلوب ، وما كان لهذا الانحراف من أثر سيء على بعض أبناء الأمة في عجزهم ، أو تعلقهم بغيرهم ، أو تركهم لما يجب الأخذ به.. وما إلى ذلك من الآثار السيئة والنتائج الوخيمة ، هذا.. ولقد كان للفكر الصوفي المنحرف ، وظهور الفِرَق: أكبر الأثر في انتشار هذه المظاهر من الانحراف ، يضاف إلى ذلك: ما ساهم به الغزو الفكري لهذه الأمة من نشر للمذاهب المادية، التي لا تربط النتائج إلا بالمادة المحسوسة، وتلغي جانب الغيب والإيمان بالله (عز وجل) وقضائه وقدره وملكه وقهره وعظمته.. وما كان لهذه الأفكار كلها أن تؤثر لو كان العلم وفهم العقيدة الصحيحة منتشرًا بين الأمة ، ولكن لما وافق هذا جهلًا عند بعض المسلمين بحقيقة هذا الدين وأصوله: نشأ من ذلك بعض المفاهيم المغلوطة للتوكل كما نشأ الضعف في التطبيق لهذه العبادة العظيمة.
وفي الفقرات التالية: أستعرض بعض صور الانحراف والضعف في هذا الجانب المهم من جوانب العقيدة، لعلنا نتفقده في أنفسنا أو عند غيرنا؛ حتى نتجنبه ، ونحذر منه.
ومن أهم مظاهر الانحراف في ذلك ما يلي:
1-النظر إلى التوكل على أنه تواكل وترك للأسباب ، والذين وقعوا في هذا الانحراف على صنفين:
أ- صنف يعلم أن التوكل لا ينافي فعل الأسباب والأمر واضح عنده بلا شبهة ، ولكنه ينطلق من هذا الفهم المنحرف في تبرير عجزه وكسله وتفريطه، فهذا عجزه توكل، وتوكله عجز ، وهذا الصنف من الناس لا ينقصه إلا أن يتقي الله (عز وجل) ، ولايبرر شهوته بشبهة ، وفي ذلك يقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) :
»وكثيرًا ما يشتبه في هذا الباب: المحمودُ الكامل بالمذموم الناقص.
ومنه: اشتباه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكَلِّ؛ فيظن صاحبه أنه متوكل، وإنما هو عامل على عدم الراحة..« (18) .
ب- أما الصنف الثاني: فقد أُتي من جهله بحقيقة التوكل على الله (عز وجل) ، وجهله بسنن الله (سبحانه) في ارتباط المسببات بالأسباب، وأن الأخذ بالأسباب بضوابطها الموضحة سابقًا لا ينافي التوكل ، بل إن تركها قدح في حكمة الله (عز وجل) ، ونقص في العقل، وما علم صاحب هذا الفهم أن التوكل عليه (سبحانه) هو أقوى الأسباب في حصول المطلوب ودفع المكروه ، يقول الإمام ابن رجب (رحمه الله تعالى) : »واعلم أن تحقيق التوكل لا يُنافي السعي في الأسباب التي قدّر الله سبحانه المقدورات بها ، وجرت سنته في خلقه بذلك ، فإن الله (تعالى) أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكّل ، فالسّعيُ في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له ، والتوكل بالقلب عليه إيمانٌ به ، كما قال الله (تعالى) : (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) ) [النساء: 71] « (19) .