فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 780

ويتحدث ابن القيم (رحمه الله تعالى) عن توكل الرسول وصحابته الكرام مع أخذهم بالأسباب ، فيقول: »... وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين ، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، وجميعُ أصحابه، وهم أولو التوكل حقًّا،... فكانت هممهم (رضي الله عنهم) أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي؛ فيجعله نصب عينيه ، ويحمل عليه قوى توكله« (20) .

2-ويقابل الانحرافَ السابق انحرافٌ في الجانب المقابل، ألا وهو الإفراط في فعل الأسباب والتعلق بها محبةً وخوفًا ورجاء، ومعلوم ما في هذا الانحراف من خطر شديد على التوحيد، فهو إما شرك أكبر: إذا اعتقد فاعل الأسباب أنها تؤثر استقلالًا، وإما شرك أصغر: إذا لم يعتقد ذلك ، ولكنه تعلق بها وحابى من أجلها ، وجعل أكثر اعتماده عليها في حصول المطلوب وزوال المكروه. وما أكثر من يقع منا في هذا الضعف القادح في التوكل على الله (عز وجل) ، ولكن ما بين مُقِلٍّ ومكثر ، وإن وجد من يحقق التوكل على الله (عز وجل) في أمور الدنيا فإن المحققين له في العبادة وأمور الآخرة أقل وأقل ، وفي ذلك يقول الشيخ محمد ابن عثيمين (حفظه الله) :

» (ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل، وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أوالعادة بالتوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل ، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة ، وننسى ما وراء ذلك ، فيفوتنا ثواب عظيم وهو ثواب التوكل«) (21) .

3-ما ينقل عن بعض غلاة المتصوفة من أن التوكل من مقامات العامة ، لا من مقامات الخاصة ، ومنشأ هذا الانحراف أتى من ظنهم أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا ، كما هو شأن عامة الناس ، وهذا غلط ، فإن أعظم ما يُتوكل على الله فيه الأمور الدينية ، وحفظ الإيمان ، وجهاد أعداء الله (عز وجل) ، ورجاء ثوابه (سبحانه) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

».. وعلى هذا: فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا ، وهو غلط ، بل التوكل في الأمور الدينية أعظم« (22) .

4-جبن القلب والخوف من المخلوق:

إن مما ينافي حقيقة التوكل: الخوف من المخلوق خوفًا يدفع إلى ترك ما يجب أو فعل ما يحرم ، محاباة للمخلوق أو خوفًا من شره ، ومثل ذلك يكون أيضًا في الطمع والرغبة ، فالطمع في نفع المخلوق أو الخوف من شرِّه إذا أدى إلى ضعف التعلق بالله (عز وجل) وضعف الثقة به (سبحانه) ؛ فإن هذا يقدح في التوكل ، ويضعفه ـ إن لم يذهبه ـ ، ومن تعلق بشيء وُكِلَ إليه ، ومن وكل إلى غير الله (عز وجل) ضاع وهلك ، وخاب وخسر.. ومما يصلح التمثيل به في عصرنا اليوم على هذا الضعف: ما يعتري بعض الدعاة وهو في دعوته إلى الله (عز وجل) من خوف على نفسه أو رزقه أو منصبه ، الأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت