ذلك يجب أن يمارسه العبد وشعور العبادة لله (عز وجل) يصاحبه، فيراقب ربه في كل أعماله، وينوي بها التقرب إليه (عز وجل) والاستعانة بها على طاعته.
إن هذا الشعور وهذه النية تجعل العبد في كل أعماله ـ حتى في مباحاته ولذاته ـ عبدًا لله، مسلمًا وجهه لربه (عز وجل) (6) ، (( قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ )) [الأنعام: 162، 163] .
3-الانحراف في التطبيق:
وقد ترتب على ذلك الانحراف في مفهوم العبادة انحراف آخر في تطبيق العبادة، فحتى الشعائر التعبدية التي حُصرت العبادة فيها بحسب، هي الأخرى نالها ما نالها من الضعف والميل بها عن حقيقتها وغايتها، وهذه نتيجة متوقعة وبدهية معروفة؛ فالانحراف في الفهم لابد أن ينتج عنه انحراف في التطبيق، ويوضح الأستاذ محمد قطب (وفقه الله) هذا الانحراف، فيقول:
( حين صار المطلوب كله هو أداء الشعيرة، وانحصرت(العبادة) كلها في هذا الأمر، كان حريًّا بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر، حتى يصبح المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت.. ولو كان أداءً آليا بغير روح، أو أداء تقليديًّا يحركه الحرص على التقاليد أكثر مما يحركه الدافع إلى عبادة الله.
وتلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار).
4-الانحراف في مصدر التلقي:
ترتب على الانحراف السابق في مفهوم العبادة انحراف أشد خطرًا وأسوأ أثرًا، حيث كان الانحراف السابق ذكره منحصرًا على مستوى الفرد، بينما هذا الانحراف الذي نحن بصدده يتمثل في النظم التي تحكم في أكثر بلدان المسلمين اليوم، والتي يسعى أربابها إلى عزل الدين عن الحياة وتوجيهها وتنظيمها، وحصره بين جدران المسجد وأداء الشعائر التعبدية، ولسان مقالهم أو حالهم يردد تلك المقولة الجاهلية، والتي قالها أصحاب مدين لنبيهم شعيب (عليه الصلاة والسلام) ويقولها العلمانيون في زماننا: ما للدين وحجاب المرأة وعملها، ما للدين والسياسة وموالاة الكفار ومحبتهم، ما للدين والاقتصاد، ما للدين والإعلام والتعليم..!! إلخ، الدين: أن تعبد الله في المسجد، وتقرأ القرآن، وتذكر الله... هكذا يزعمون!! أما الحياة فلها نظمها التي تتناسب مع تطورها.. إلى آخر هذا الهذيان والانحراف والفجور.
إن هذا الفهم الأعوج هو ما قاله أهل مدين لنبيهم شعيب بعد أن دعاهم إلى التوحيد وترك البخس والنقص في المكيال والميزان، قال الله (عز وجل) : (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تًَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) ) [هود: 87] . إنهم يقولون: يا شعيب: ما دخل عبادتك وصلاتك في حياتنا الاقتصادية، وفي اتباعنا لآبائنا وطاعتهم فيما كانوا