يعبدون.. سبحان الله! ما أشبه قلوبهم بقلوب الجاهلين في زماننا هذا، وما أشبه مقولتهم بمقولة العلمانيين المنافقين (7) .
والحاصل مما سبق: إذا حصرت العبادة في الشعائر التعبدية فحسب، فما معنى قوله (تعالى) : (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ) ) [التوبة: 31] ، وما معنى قوله (تعالى) : (( وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) ) [الأنعام: 121] ، وقد علق العلامة الشنقيطي (رحمه الله) على هذه الآية، فيقول:
( فهي فتوى سماوية من الخالق(جل وعلا) صرح فيها بأن متبع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) (8) .
إذن: فإن من أخص خصائص العبادة: الطاعة، والاتباع، والخضوع، والانقياد، فكما أن العبادة تأتي بمعنى الدعاء والنسك، فهي تأتي أيضًا بمعنى الطاعة والاتباع، ولكن الجاهلين أو المتجاهلين يريدون حصرها فقط في الشعائر التعبدية والعبادات الخاصة، ثم لا دخل بعد ذلك للعبادة في شؤون الحياة وتسيير دفتها.
وإن الذين يرون هذا الفصل المشين والفصام النكد بين الدين والحياة على قسمين:
* إما أن يكونوا جهلة بحقيقة الدين وحقيقة العبادة في الإسلام، إذ لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي ينير بصائرهم، وإنما غاية ما عندهم ثقافات مشوهة من الغرب أوالشرق تسربت إلى قلوبهم على حين غفلة وخواء، فتمكنت منها، وهؤلاء وأمثالهم من الذين انحرفوا بمفهوم العبادة عن معناها الصحيح بسبب جهلهم، وقد نرى بعضهم من المصلين، الصائمين، التالين للقرآن الكريم!.
وعلاج هذا الصنف من الناس يكون بالعلم الشرعي، والرفق بهم حتى يفقهوا هذا الدين بمعناه الصحيح.
* والأخطر من أولئك هم الذين يفهمون حقيقة العبادة وحقيقة دين الإسلام، ولكنهم يستكبرون عن الانقياد لهذا الفهم، وينطلقون بخبث وغرض سيء لإثارة الشبهات، وصرف المسلمين عن دينهم، وتشويه هذه المفاهيم في نفوسهم، وهؤلاء إن صلوا أو قاموا ببعض الشعائر فهو نفاق وزندقة. والحذر من هؤلاء يجب أن يكون على أشده، كما أن فضح أفكارهم وخططهم هو المتعين، فهم من المنافقين الذين جاء الأمر الإلهي بمجاهدتهم، قال (تعالى) : (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمًَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ) ) [التحريم: 9] .
5-الانحراف في المفهوم والتطبيق:
ومن مظاهر الانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها ما عرف عن بعض غلاة المتصوفة وزنادقتهم من أن أداء العبادات والطاعات مرتبط بحصول اليقين المطلق ـ هكذا زعموا ـ فإذا وصل العبد إلى هذا المستوى سقط عنه التكليف ولم يعد في حاجة إلى العبادة التي هي من منازل العامة!، أما الخاصة،