وتصور أخي الكريم حجم شخصية شيخ الإسلام، وتاريخه الجهادي، وما حصل له من مناظرات ومشاهد كثيرة، وكلها ينتصر فيها على أعدائه وكائديه، وأضف إلى ذلك ثناء الناس عليه في عصره من علماء وعامة، واحتفاءهم به، ثم تأمل قدر نفسِه عنده من خلال كلامه السابق لترى ترويضًا للنفس ومطامنة لكبريائها وزهوها، وعندها ستكتشف السر في القوة العلمية والعملية لهذا الأنموذج اللامع، والشخصية العظيمة.
ولمَّا كان من المعلوم بداهة أنك ـ أيها المسلم ـ أعلم بنفسك من غيرك، وجب أن تعي أن الناس قد يمدحونك في يومٍ من الأيام، بل قد يُفرطون في رفعك على ملأ من الناس، وفي المقابل قد ينتقصونك يومًا أو أيامًا، ويخفِضون من قدرك، ولكن أعلم أن كل هذا لا يُثقِّل ميزانك يوم القيامة. وما تعلمه من جنوح نفسك، وعثراتها المستورة، وخبايا السوء فيها هو الذي سيحاسبك الله عليه يوم القيامة. فإذن لا تقْدُر نفسك كما يقدرها الآخرون، ولا تحسن الظن بها وإن تكاثر وتتابع مدح الناس لك.
ومن جميل ما يذكر في هذا الباب قول ابن حزم ـ رحمه الله ـ حينما أراد أن يُعدد عيوبه، وكيف تغلّب عليها، قال: ومنها ـ أي عيوبه ـ عُجبٌ شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله، ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلّفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع (1) .
وكان السلف ـ رحمهم الله ـ لغاية فقههم وتمام تدينهم ينفِرون من مجالس الشهرة ومشاهد الثناء، ويحذرون منها.
قال أيوب: ما صدقَ عبدٌ قط فأحب الشهرة (2) .
وقال ابن المبارك: قال لي سفيان: إياك والشهرة؛ فما أتيتُ أحدًا إلا وقد نهى عن الشهرة (3) .
وقال بشر الحافي: ما اتقى الله من أحب الشهرة (4) .
ولهذا كان من المُهِم في حياة الداعية أن يعي خطر هذا المزلق، وأن يرقب القصد الصالح في دعوته؛ وذلك كل لحظة من عمره.
ومن أعظم الانحراف في القصد أن يبتغي الداعي في دعوته كسب الأتباع، وحصول المزايا لشخصه من الإجلال والتقدير، وهذا مدخلٌ عظيم من مداخل الشيطان.
2 ـ العزلة بالنفس عن فضول المخالطة، ودوام المجالسة.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «قسوة القلب من أربعة أشياء ـ إذا جاوزت قدر الحاجة ـ: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة» (5) .
وصدق ـ رحمه الله ـ فليس أنفع للنفس، وأصفى للقلب من العزلة المعتدلة التي لا يُراد منها تنصلًا من تكليف، أو هروبًا من ضغط الواقع وواجباته.