فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 780

والعزلة ـ بالأوصاف السابقة ـ مهمة للداعية والمربي؛ فهي بالإضافة إلى كونها توقف الداعية على حقيقة نفسه، تهيئ له مناخًا صحيًا لاختيار الرأي الصواب البعيد عن المؤثرات الخارجية من شغب الجماهير، ومحاكاة الأقران، وغير ذلك.

قال ـ تعالى ـ: {قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46] .

وفي هذه الآية يأمر ـ سبحانه ـ كفار قريش ومن كابر عن الحق بأن ينفصل من مؤثرات الجماهير، ويخلو بنفسه أو مع صاحبه حتى يتبين له الحق؛ وذلك لأن من ألف المخالطة ـ في أيامه كلها ـ خمدت أدوات التفكير لديه، بل ويأسن عقله كما يأسن الماء، ويصبح ـ مع الزمن ـ خامل الفكر، تابعًا في رأيه، مترددًا في اختيار قراراته، مراوغًا من تحمل تبعاتها.

فائدة: قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه (6) .

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: حدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يومًا فلما أصحرَ تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر ـ وهو لمجنون ليلى ـ من قصيدته الطويلة:

وأخرجُ من بين البيوت لعلني أحدِّث عنك النفس بالسر خاليا» (7)

إنه مشهدٌ من البهاء كبير حينما يبلغ حب العبد لخالقه هذا المبلغ، فيخلو بربه، معترفًا بذنوبه بين يديه، آنسًا بذكره، متبصرًا في أدواء نفسه.

وإن هذه الخلوات بصفائها، ونقائها، وجمالها لتُخرجُ للأمة قادةً ربانيين، متجردين من حظوظ أنفسهم، وشهواتها، في سبيل النهوض بالأمة، والرفع من شأنها.

وهنا تتجلى لنا الحكمة في موقف المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، حينما كان يخلو بربه في غار حراء استعدادًا لتلقي القول الثقيل، وتحمل التضحيات لأجله.

ولابن القيم ـ رحمه الله ـ كلام جميل في تقسيم المخالطة. قال (8) : الاجتماع بالإخوان، قسمان:

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب، ويضيع الوقت.

الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: إحداها: تزيُّن بعضهم لبعض. الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادةً ينقطع بها عن المقصود.

+ جانب التحلية:

وهنا نذكر أربعة أمور تساهم بعدما سبق في بناء النفس بناء إيمانيًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت