3 ـ استدامة الذكر في كل الأحوال حتى يكون للإنسان عادة يألفها ولا ينفك عنها. والذكر يجلب الطمأنينة إلى القلب، ويضخ فيه دم القوة والثبات، كما قال ـ تعالى ـ: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، بل هو من أعظم وسائل الثبات والتماسك في الأزمات والنكبات. قال ـ تعالى ـ: {إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الأنفال: 45] .
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «السابعة عشرة [من فوائد الذكر] : أنه قوة القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. وحضرتُ شيخ الاسلام ابن تيمية مرةً صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله ـ تعالى ـ إلى قريبٍ من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكرٍ آخر، أو كلامًا هذا معناه» (3) .
4 -تحديد الأهداف ورسمها على مدى العمر رسمًا دقيقًا.
والقصد من هذا أن نتجنب السلبية والفوضوية لنتحول إلى الإيجابية والتنظيم، واستشعار قيمة الوقت.
ولنعلم أنه إذا اعتادت النفس على أن لا تتحرك في أي اتجاه إلا نحو هدفٍ مرسوم فإنها ـ والحالة هذه ـ ستبدأ باستشعار قيمة الوقت، وسترى منها تململًا حين ضياع الوقت الطويل من غير هدف، ونفرة من مجالس البطالة واللهو، وميلًا إلى مجالس الجد والخير. وهذه لذاتها منزلة رفيعة ينبغي أن نسعى إلى بلوغها.
ولذا فغياب الهدف عن حياة الناس (4) يمثل أزمة حقيقية في الوعي يحسن بالمربين وأهل التربية أن يعتنوا بهذا الجانب، ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن من ضمن المحاور التربوية التي لم تأخذ حقها من الدراسة والإثارة: كيف نصنع الهدف في حياة الناس؟
وهذا لا يمنع وجود الكثير ممن يبحث عن تحقيق هدف ما، لكنه لم يحقق ما يريد، فانتهى الزمن ولم يحصل الهدف!! وشاهد ذلك ما نراه من شتات الجهود، ورجوع الكثير من منتصف الطريق في كثير من المشاريع العلمية أو الدعوية، ونسي أولئك عامل الزمن في الوصول إلى الهدف.
وليس القصد هنا بحث موضوع الهدف، وإنما الإشارة إلى أهميته، وافتقارنا إلى صناعته ونشره بين عامة الناس وخاصتهم.
وبعد: فقد يتساءل بعضهم: لماذا كل هذه التقاسيم لبناء النفس وهي لم توجد في أدبيات السلف، وإنما غاية أمرهم أن يسمعوا آية من كتاب الله ـ تعالى ـ فتتحول حياتهم رأسًا على عقب؟
والجواب أن يقال:
أولًا: لا شك أن هذه موجودة في تطبيقات السلف وإن لم يوجد كلام نظري تفصيلي يُمثِّلها.
وثانيًا: لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أننا نعيش في عصرٍ يختلف عن عصر السلف؛ فنحن في زمانٍ صعب، صعبٍ بحياته الاجتماعية، صعب بنظمه وسلوكياته، صعب بتقلب معاييره، صعب بالانفتاح