فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 780

إن حس المؤمن ليختلف في نظرته للحياة وتقييمه لأحداثها عن الكافر الذي لم يحسب للآخرة حسابًا في أعماله، وإن المؤمن ليتسامى بنظرته وهو يرى هذا العالم يتخبط بجهله كالصبي الذي يفرح ويحزن من أجل حلوى يظفر بها! وصدق الله إذ يقول: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] ، {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد: 26] ، وحينما يشتد الكرب ويخير المؤمن بين دينه ودنياه؛ فإن الأمر عنده لا يقبل الجدل، فحياته رخيصة في سبيل الله، وهذا ما أعلنه السحرة يوم أن آمنوا بموسى فقابلوا تهديد فرعون بقوة الواثق وحسم الجازم، حيث قالوا: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72] ، إن المؤمن عظيم الروح، كبير القلب، كبير العقل حين ينظر إلى رسالته في الدنيا فيجدها معلقة بالله موصولة بأمره، محددة المسار، واضحة الطريق، غاية المؤمن أن يرضي الله فيتوجه إليه، ويسأله الصبر، ويستمد منه العون. فكيف يتسرب إليه اليأس وهو على نور من الله، {قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 125 - 126] .

ثالثًا: انتصار المبدأ:

للمؤمنين مفهوم خاص للنصر، فانتصارهم مرتبطٌ بدينهم، فالمؤمن لا يقاتل حمية ولا عصبية، ولا ليقال شجاع، ولا لأرض ولا لقبيلة ولا لحزب، إنما يقاتل لتكون كلمة الله العليا، إن انتصار المؤمن انتصار دينه، وانتصار دينه انتصاره، إنه لا معنى عند المؤمنين لنصر لا يعز الله فيه الدين، وإنه لمعنى جلي للنصر ذلك اليوم الذي يدخل الناس فيه في دين الله أفواجًا، فحين ذكر الله أصحاب الأخدود الذين أحرقوا كل المؤمنين قال الله عن نهاية الطائفة المؤمنة: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11] ، فسمى نهايتهم فوزًا ووصف هذا الفوز بأنه كبير. أي تميز للمؤمن بهذا المعنى العزيز المتفرد؟! إن البشرية لتقف صاغرةً أمام هذا المعنى الضخم الكبير، إنه معنى لا يزعزعه التهديد ولا الترغيب، إنه معنى يوجه المؤمن نحو إيمانه وعمله الصالح، وأن يكون ذلك محط نظره الأول، وأن تكون أولويات حياته منطلقة من هذا الهدف من أجل تحقيق الفوز الكبير، وهذا حرام بن ملحان ـ رضي الله عنه ـ غلب عليه هذا المعنى، فلم يجد ما يفوه به بعد أن طُعن إلا أن يقول: «فزت ورب الكعبة» (1) .

وبهذا يتحرر المؤمن من ربقة الجاهلية التي تحاصره بماديتها الضخمة من أجل طعنه برمح اليأس ونزع الأمل من قلبه؛ عسى أن يكلّ عن العمل لدينه، أو يمل من الثبات على مبدئه.

رابعًا: بشائر الصبر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت