إن صبر المؤمنين ينبوع يحفظ لهم ثباتهم على الدين حتى ينجلي الكرب، وهم لم يتركوا من دينهم ما يلامون عليه، ومن أروع الأمثلة على ذلك حصار الشِّعب الذي دام ثلاث سنين والرسول صلى الله عليه وسلم يتحمل شدته ويشاركه في ذلك من معه من قومه، وينتهي الحصار ورسول الله صلى الله عليه وسلم صابرٌ ثابتٌ لم يترك شيئًا من دعوته، ولم يغير حرفًا من منهجه، ولم يحذف كلمة واحدة كانت تُغضب الكفار. إن الصبر بالثبات على المبدأ ثمرة عظيمة للصبر، ونصرٌ يسبق النصر.. {فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .
ولذلك فإن المؤمن يسعد بصبره على مبدئه، وتطمئن نفسه بما جرى وبما يجري، حيث يستلهم فيضًا إلهيًا يتنزل عليه بالسكينة والرحمة والبشرى، فما أعمقها من معاني تفجر في النفس ينابيع الأمل تحت مطارق المحن والبلوى، {الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156 - 157] .
خامسًا: النصر القادم:
إن ترقب النصر القادم الذي وعد الله عباده وعدًا لا يخلفه في قوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [الروم: 47] ؛ من أجلى ينابيع الأمل وأقواها، حيث تدفعه نحو العمل لدينه المنصور ومبدئه الظافر، وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] ، لقد أعلنها صلى الله عليه وسلم في وقت الشدة لتشد أنظار المؤمنين إلى المستقبل المحتوم؛ مهما كان الواقع يفرض على الناس أقسى الظنون، فعن البراء ابن عازب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال: بسم الله. فضرب ضربةً فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا. ثم قال: بسم الله. وضرب أخرى فكسرت ثلث الحجر، فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس، والله! إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال: بسم الله. وضرب أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن، والله! إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا» (1) .
سادسًا: حتمية الابتلاء:
وفي حتمية البلاء الذي كتبه الله على عباده منبع للأمل، فلا يدهش المؤمن بنزول البلاء، ولا ينهار ولا يحبط حين يواجه الكروب، إن تقرير حتمية البلاء يجعل المؤمن مترقبًا للشدائد مستعدًا لها ومدركًا لحكمتها، ومدركًا أنّ مقدرها هو القادر على دفعها، قال ـ سبحانه ـ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا