فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 780

[التوبة: 120 - 121] .

تاسعًا: في التاريخ عبرة:

في التاريخ ينابيع للأمل، وأمثلة وعبر، تشعل في النفس ثقةً عميقة بالنصر، من غير تهور عاجل، ولا يأس قاتل، فالتاريخ مليء بالمتغيرات، لكن عجلة التاريخ ربما تمر على جيل كامل أو أجيال فيدركون أول الأحداث ولا يدركون آخرها، وهذا ما يجعل عجلة الإنسان الفطرية تسارع في استبطاء النصر، واستعجال الظفر، لقد عاش نوح ينتظر الفرج تسعمائة وخمسين عامًا، وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد إحدى وعشرين سنة مضت على البعثة، وهو نبي مؤيد بالوحي، بل إن كنوز فارس والروم واليمن لم تظفر بها أمته إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، إنه درس التاريخ الأكبر، قال ـ تعالى ـ: {حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]

وإن التاريخ لينادي اليائسين لينظروا في أحقابه.. كم دولة قويت بعد ضعف! وكم من أخرى ضعفت بعد قوة! قال ـ تعالى ـ: {الچـم« (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الروم: 1 - 5] ، إن عجلة التاريخ تسير وفق سنن ربانية لا تتخلف. وفي التاريخ أحداث مؤلمة ومصائب جمة مرَّت على أقوام مضوا، فكأن التاريخ ينادي كل مصاب ومنكوب: حنانيك! فبعض الشر أهون من بعض، إن مع العسر يسرًا، وإن بعد الكرب فرجًا.

إنه لا عجب بعد هذه الينابيع أن يحرّم الإسلام على أتباعه اليأس من روح الله، قال ـ تعالى ـ حكاية عن يعقوب ـ عليه السلام ـ: {وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف: 87] ، وقال ـ تعالى ـ حكاية عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] .

? ميادين العمل:

وإن تلك المنابع الفياضة بالأمل في قلب المؤمن لتدفعه إلى ميادين خصبة للعمل؛ وتفجر فيه طاقاته الكامنة، وتسارع خطاه ليبلغ رسالة ربه بكل ما أوتي من قوة، وكلما كان الإيمان بتلك المنابع عميقًا كان الأثر الظاهر في سلوك الإنسان قويًا ومستمرًا يتجدد معه في كل حال، وسر عمل المؤمن حياة روحه، وصورة أعماله عبادة يتقرب بها إلى الله، وخير ما يقضي المؤمن حياته به عمل يوفقه الله إليه يختم به حياته؛ وما يلي بيان لذلك وتفصيل.

? حياة الروح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت