فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 780

ليس أشد على الأمة من الفراغ الروحي الذي ينهك طاقاتها ويبدد قدرات شبابها، فالروح الميتة لا تنعشها الصدمات لو تغيرت الأحوال واشتدت الأزمات، ولا شيء يسد حاجة الروح ويحييها مثل العبادة لله وحدة.

إن الحاجة للتعبد لله قائمة في كل وقت، وأشد ما تكون في الأزمات والمحن، حيث يصاب الناس بالقلق، والاضطراب والخوف من المستقبل، والفزع من المجهول، والتوجس من الأحداث، فلا يملأ أرواحهم سكينة وطمأنينة كالعبادة، ومع ذلك فإن العبادة الخاشعة الخالصة التي تتحقق فيها خصال العبودية تمنح المؤمن قلبًا ثابتًا وعقلًا متزنًا ورأيًا ثاقبًا يرى الأمور بعين البصيرة، فتمنحه التوازن المطلوب في مواجهة الأحداث، فيسير بخطى ثابتة، ويؤدي دوره في نصرة الحق بمنطلقات واثقة، يحتسب فيها خطواته، ويغتنم فيها أوقاته، قال الله ـ تعالى ـ: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ» (1) . إنه تشبيه بليغ، حيث يناسب حال الغافل عن العبادة المصاب بالوهن، وضعف الهمة، وفقدان لذة العبادة حال من لم يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ويناسب حال المتعلق بالعبادة المتلذذ بها، المتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حال المهاجر إليه الذي يعيش معه، ويقتدي به، ويأنس بالقرب منه.

? العبادة في الهَرْج والفتن:

ومن أجل استظهار أوجه العمل بالحديث السابق؛ فإن العبادة في الهَرْج تكون على ثلاث مراتب:

الأولى: الثبات على الدين وحفظ الشرع والاستقامة على الجادة؛ مهما كثرت الصوارف، أو طغت المغريات، أو لاح تهديد، أو عرض ترغيب، أو زين منصب من أجل الصمت عن باطل والرضا بالمنكر، قال الله ـ تعالى ـ: {وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 73 - 75] .

الثانية: أن يفعل المؤمن عبادة كان هاجرًا لها فيتعبد الله بها زيادة في طلب الأجر، وتقربًا إليه؛ فإن لكل عبادة فضلًا ومزية وأثرًا، فلعله أن ينال ذلك، خاصة في أوقات الهَرْج والفتن وغفلة الناس ورقَّة الدين، وضعف الاستقامة على الشرع، وتخلي الناس عن واجباته وسننه.

الثالثة: أن يزيد المؤمن من عبادته التي هو عليها، فيزيد من صلاته، ويزيد من صلته وبره، ويزيد من نفقته وصدقته، ويزيد من دعوته وتعليمه.

? ميادين رحبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت