فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 780

التربوية غير ممكنة التطبيق إلا إذا كانت المدارس الحكومية لائكية تستطيع أن تجمع كل أبناء فرنسا بقطع النظر عن النزعة المذهبية التي ينتمون إليها؛ حيث يجلس الطفل الكاثوليكي بجانب الطفل البروتستاني واليهودي (1) وغيرهم.

هذا وإن المعاهد الخاصة التي تنشئها الطوائف للمحافظة على تربيتها ومكانتها الاجتماعية منتشرة على ربوع التراب الفرنسي؛ لأنه من الطبيعي أن لا تعتمد الطائفة أو الملة على غيرها في تنشئة أبنائها ومساعدتهم على تحقيق نبوغهم وتفوقهم؛ لذلك نجد المعاهد الخاصة، وحتى الجامعات في أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها تحتل مكانة هامة؛ فكل مذهب يريد أن يحتل مكان الصدارة للحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لا بد له من مؤسسة تربوية، ولما كانت هذه المكانة (2) مرتبطة بالكفاءة وجودة التحصيل صاروا يركزون على التربية التي خصصوا لها معاهد ومدارس لتكوين النخبة المتفوقة من رجال الأعمال والعلوم والسياسة. وبذلك تصدروا الحياة الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية في أغلب الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. وصارت هذه المؤسسات التربوية التي تشرف عليها الكنيسة أو الهيئات اليهودية تحتل الصدارة، وتتمتع بسمعة أكاديمية عالية. وجُعلت لتزاحم المدارس والمعاهد والجامعات التي كان يحتكرها الأرستقراطيون وأهل الطبقة العليا في المجتمعات الليبرالية في فرنسا وبريطانيا وأمريكا وغيرها.

وأما فصل الدين عن الدولة الذي حدث بعد الثورة الفرنسية فهي قضية في حقيقة أمرها سياسية محضة لا علاقة لها بالتربية والنهضة، وأما المقصود بها فقد كان دعاة فصل الدين عن الدولة في فرنسا وروسيا البلشفية يريدون إضعاف سلطة الدين التي كانت تجابههم، وتشكل على ثوراتهم خطرًا؛ لأن المذاهب الدينية والطوائف والملل لا ترضى إلا بالحكم الذي يتفق مع دينها؛ ومن ثمة فإن الطابع المسيحي لا ينكر بالنسبة إلى الحضارة الغربية. يقول هتلر في مستهل برنامجه الوزاري يوم ولي رئاسة الوزراء: «إن أول واجب ستقوم به الحكومة القومية الألمانية هو العمل من أجل الوحدة الروحية وإحياء العقيدة النصرانية في الأمة والتقاليد في الملة» (3) وغير هتلر من الساسة الأوربيين أقوالهم كثيرة صريحة الدلالة على تشبع الثقافة الغربية بالروح النصرانية التي تشربوها مع ألبان أمهاتهم منذ نعومة أظافرهم.

إن البيئة الأوروبية على ما انتابها من الانحلال والميوعة والتسامح ما تزال تنضح بالروح النصرانية على اختلاف مذاهبها. ونتيجة لاجتياح المذاهب الفلسفية المادية لساحتها الفكرية، لقد صارت تشكو فقرها الروحي، وحاجتها إلى دين يروي ظمأها الروحي، ويلقي الروح في كيانها المادي... وهذه كلها أدلة تقضي بخطأ دعاة اللائكية، وفصل الدين عن الدولة في نظمها التربوية وغيرها، وخطر هذه الدعوة وفداحة نتائجها التي ترتبت على العمل بها في المجتمعات الإسلامية. إنه إذا كان من مقتضيات الشريعة الإسلامية السمحاء، والعقل السليم أن تكون الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت