فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 780

فإنه ليس من الشرع ولا من العقل أن نتبع الغرب والشرق فيما وقعوا فيه من أخطاء؛ فصوابهم في علوم الطبيعة والرياضيات لا يلزمنا اتباعهم فيما زلت فيه قدمهم في باب العقائد والمفاهيم والقيم... ونحن إن كنا ننشد الحكمة والعلم والتجارب الصحيحة، فيجب أن نتوخى الصواب في كل الأمور والحق والهدى؛ فأهل الخطأ والزيغ والضلال أحوج إلى اتباع أهل الصواب والحق وليس العكس.

إن المنظومات التربوية الإسلامية ما تأخرت عن ركب الحياة، وعجزت عن تحقيق ما تتم به سعادة الدارين إلا لَمَّا صارت تفتقر الأمة إلى حكمة العلماء؛ فالإشراف على الإصلاح ممن هم أبعد الناس عنه عرَّض الأمة لهدم مُبيَّت، وإفساد تحت شعار الإصلاح.

أما قولهم: إن النظم التربوية الإسلامية أصولية همها الأوحد الدين، وأخلاقه، ومن ثمة فهي لا تليق بمجتمع اليوم في عصر غزو الفضاء وازدهار التكنولوجيا؛ فهي من حيث هي إسلامية تربية أصولية أساسية تهتم أول ما تهتم بالدين وأخلاقه؛ باعتبارها أمة الرسالة تطمح إلى الدعوة إليها والعمل على نشرها في ربوع العالم، هذا العالم الذي صار يعاني من الفقر الروحي والانحلال الأخلاقي والتقوقع الفكري في دائرة المذاهب الفلسفية التي تحجرت، وهو ما يدفعها أيضًا إلى أن تهتم بمطالب عالم الأسباب من العلوم ومبادئها على اختلاف ميادينها ومناهجها، والتكنولوجيا وفنونها. فلا تعارض بين متطلبات عالم الأسباب ومتطلبات العقيدة والشريعة والقيم والمفاهيم الإسلامية وبكل ما له علاقة بشخصية الأمة الإسلامية؛ فهذه غاية، والأخرى وسائل لا بد من توفرها لتحقيق الغاية. إنه لا تعارض بين الغاية والوسيلة إطلاقًا لدى المفاهيم الإسلامية، ولا يدَّعي ذلك إلا جاهل للإسلام، أو جاحد للحق والحقيقة.

هذا ولقد حددت المفاهيم والقيم إلى درجة لم يبق بعدها أي مجال للتناقض والتفريط أو الإفراط، وهو ما لم تحققه ديانة غير الإسلام ولا فلسفة. ولن تستطيع أمم الغرب والشرق أن يحصلوا على ما هم عليه من ازدهار حضاري تكنولوجي إلا بعد نجاح إصلاح نظمهم، وما نجحت إصلاحاتهم إلا بفضل مستوى وعيهم الذي انعكس في تكامل العلماء ورجال السياسة، وتضافر عوامل الكفاءة التي يتمتع بها العلماء ورجال السياسة، وهو ما ساعد على نمو الشعور بالحاجة إلى إصلاح نظمها التربوية وتطويرها لتكون في مستوى القدرة على إعداد ما تحتاج إليه الحضارة من العلماء وكبار الخبراء ورجال الأعمال وعباقرة العصر، فلم تمنعهم لتحقيق ذلك ظروف الحرب القاسية، والهزيمة النكراء؛ لأنهم أدركوا أن مصيرهم مرتبط بالتفوق التكنولوجي أكثر مما تتوقف على نتائج الحرب التي خرجوا منها غالبين كأمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أو مغلوبين كالألمان واليابان، لا الغلب يبطرهم، ولا النصر يلهيهم، فشمروا عن ساق الجد، وركزوا على مطامح المجد، لا يلوون على شيء إلى أن حققوا ما هم عليه الآن من ازدهار ورخاء. ولولا هذه الإصلاحات التي تجاوزت المحيط إلى أمريكا الشمالية؛ حيث عرفت التربية الأمريكية هي الأخرى تحولات كبرى لولاها ما عرف العالم الجديد هذا الازدهار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت