الثقافي والتطور التكنولوجي المذهلين، وما كان لهذه الإصلاحات أن تحقق هذا المستوى من النجاح ولا أدنى منه إلا لأنها كانت اختيارية خالية من أي نوع من القسرية، شرعية منهجية لا يخالطها ارتجال، لم تفرض على أمة من الأمم أمرًا، ولم تفعل حاجة لطائفة أو فئة من الفئات الاجتماعية والطوائف والملل والنحل.
والطبقات لم تكن لصالح مجموعة على حساب مجموعة أخرى، إلى درجة أن الصراع الطبقي الذي لا تخلو آثاره، ولا ينجو من ضغوطه قرار؛ فإن مفعوله وتدخله في توجيهه الخطة الإصلاحية التربوية التي عمل بها في مرحلة ما بعد الحربين العالميتين كان ضئيلًا؛ ففي بريطانيا البلد الرأسمالي الذي يعيش صراعًا طبقيًا رهيبًا حيث لم يحدث مرة في التاريخ البريطاني العريق أن خرجت السياسة التربوية عن قبضة الطبقة الأرسقراطية، مع ذلك يعترف رجالها بعد الحرب العالمية الثانية بفضل جميع الإنجليز على اختلاف طبقاتهم على ما أحرزته بريطانيا من النصر، ويقولون في مسودة إصلاح التعليم 1944م: «إن مصير الأمة البريطانية مرتبط برجالها كل رجالها دون استثناء أو تمييز» .
` شروط عملية الإصلاح التربوي:
نستنتج من ذلك أن العملية الإصلاحية التربوية معقدة لا يجوز تركها للمصادفة والمخاطرة والارتجال، ولكي تنجو من الأخطار ومن الوقوع في الهوى والأغراض الشخصية فإنه لا بد أن تكون العملية الإصلاحية علمية في منهجها ودقتها وموضوعيتها، وهذا ما يجعل الأمانة العلمية جِدَّ صعبة ومعقدة، وحتى يكون العلماء في مستوى المسؤولية العظمى يطلب أن تكون العملية الإصلاحية على الأسس التالية:
أ ـ الأسس المنهجية. ب ـ الأسس الشرعية.
ج ـ الأسس الغائبة.
` العملية الإصلاحية عملية منهجية:
إن تغلغل النظام التربوي في أعماق حياة الأمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية ووضعه منها موضع العمود الفقري في الجسم جعل عملية تبادل التأثير والتأثر بينه وبين مختلف مجالات الحضارة في حالة من التفاعل الوظيفي المستمر. وبهذا صار الإصلاح التربوي في غاية من التعقيد؛ فأي خطأ يرتكبه المصلحون في أي مرحلة من المراحل النظرية أو الإجرائية تترتب عليه عواقب ومشكلات قد لا تكون من السهل تصحيحها بعد فوات الأوان. هذا ومن الحقائق التي أثبتتها التجارب الإصلاحية التي قام بها المصلحون في مختلف النظم التربوية أن وراء كل خلفيةٍ إشكاليةً تترتب عليه عند تزامنها كمتغير مع الثابت، وهو الأمر الذي سيُحدِث من التناقضات ما يفوق الحصر. وحتى يمكن للمصلحين التحكم والضبط والتحديد للفروض التي لا بد أن تحصر نتائجها حصرًا دقيقًا عن طريق التنبؤ لا بد للعملية الإصلاحية من منهج تحدد في ضوئه مشكلاتها ومفاهيمها