وأبعادها ومختلف عواملها، بالإضافة إلى الحل المنطقي والمراحل الإجرائية التي تمر بها إلى عملية التطبيق، ثم اختياره لمعرفة مدى صحة الفروض وما يترتب عليها من النتائج؛ فإذا تأكد لنا أنه لرفع مستوى التحصيل لا بد من رفع مستوى ثقافة المعلم وتحسين خبراته فإن هذا الحل يستلزم توفير شروط ذلك الإعداد، وإلا تعذر الحل؛ فالعملية الإصلاحية عملية تنصب على معطيات الحاضر لتصيغها صياغة جديدة مستقبلة قابلة للعمل الإجرائي في الميدان؛ لأن الحاضر في حكم الماضي، والماضي لا يغير أبدًا. على أن هذا لا يعني إطلاقًا الانتقاص من قيمة التاريخ؛ لأنه هو الذي يجمع معطياته، ويمثل الكيان الموضوعي الذي تم تشكيله النهائي داخل الصيرورة، وصار يمثل الصورة الحقيقية لحال من أحوال الأمة في زمن محدد؛ وهذا يعني أنه لا بد من المعطَى التاريخي الذي يُكوّن موضوع الصياغة المستقبلية من حيث هي صميم العملية الإصلاحية.
فالإصلاح ليسـ أبدًا انطلاقًا من لا شيء، بل هو انطلاق من التاريخ كشيء موضوعي لواقع الأمة، وبه يتحقق كمالها في المستقبل باستمرار؛ لأنه عملية اصطفاء وترقٍّ لخبرة الأمة الحضارية باستمرار؛ فالمناهج التاريخية حسب رأي «برايند هولمس» (1) مناهج مفيدة لكنها ناقصة؛ والدليل على ذلك أنها ركزت على الماضي، وتقوقعت فيه دون الاهتمام بالمستقبل، مع أن المستقبل هو موضوع التغير وليس الماضي؛ لأن هذا الأخير ثابت لا يقبل التغير. فالإشكالية عند «هولمس» تكمن في تزامن المتغير، وهو ما يجب أن تكون عليه الأوضاع والأحوال للمنظومة التربوية مع اللامتغير، وهي الأحوال الثابتة للمؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالتقاء الصورة المثلى التي يريد الإصلاح تحقيقها في زمن واحد مع الثوابت يحدث التناقض والإشكال حتى يتحقق التطابق بينهما؛ لأنه لا بد من دراسة عميقة دقيقة لمختلف العوامل لتحديد تأثيرها، ومدى تأثرها ضمن العملية الإجرائية الإصلاحية؛ فالحل إذن يقتضي تحقيق التطابق بين المتغير واللامتغير في المستقبل، وإزالة التناقضات التي تتعارض مع الحل. أو بمعنى آخر أن يكون الحل متمثلًا في حالة التطابق الخالية من التناقضات، وهذا ما يجعل العملية الإصلاحية قائمة على أساس منهجي بواسطة العلاقات المختلفة للظواهر.
إذن لا بد من تحديد الخطة الإصلاحية في ضوء المعطيات التاريخية التي تنصب عليها العمليات الإصلاحية في إطار منهج يساعد على إعادة صياغة المعطى التاريخي صياغة نظرية تسمح بتحديد المشكلة والتوصل إلى تحليلها، وتفسير مختلف أوضاعها، ووضع الفروض المناسبة، وتحديد المراحل الإجرائية العملية عن طريق التنبؤ. فالتاريخ إذن هو أهم وسيلة لنقل مكتسبات جهد وجهاد الأجداد باستمرار، ولولاه لما تحقق التطور الفكري ولا الحضاري؛ باعتبار التطور هو بداية كل جيل من حيث انتهى سلفه، وهو الجهد المستمر عبر الزمن.