فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 780

العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه) (11) .

2-أن حسن الظن بالله ـ تعالى ـ يرتبط ارتباطًا كبيرًا بنواحي عقدية وسلوكية متعددة، فهو يرتبط بالتوكل على الله والثقة به؛ حيث إنك لا تتوكل إلا على من تحسن الظن به؛ ولذا فقد جعله الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ أحد درجات التوكل فقال: (الدرجة الخامسة: حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله. والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه، والله أعلم) (12) .

وقال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: (ويكون الراجي دائمًا راغبًا راهبًا مؤملًا لفضل ربه حسن الظن به) (13) .

وكذا الاستعانة بالله والاعتصام به واللجوء إليه ـ سبحانه ـ كلها تستلزم أن يحسن العبد الظن بربه ـ عز وجل ـ، وكذلك فإن حَسُنَ الظن بالله يجب أن يقترن بالخوف منه ـ سبحانه ـ حتى لا يفضي إلى الغرور وترك العمل، وقد قال أبو سليمان الداراني ـ رحمه الله ـ: (من حَسُنَ ظنه بالله ـ عز وجل ـ ثم لا يخاف الله فهو مخدوع) (14) . وبهذا يتبين أن حسن الظن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعدة نواحي اعتقادية سلوكية لدى المؤمن تتعايش مع إيمانه وعبوديته لله ـ سبحانه ـ؛ ولذا كان لزامًا التنبيه لهذا الأمر وتوضيحه.

3-ومما يُجلّي أهمية هذا الأمر واقع الناس وحالهم مع حسن الظن بالله؛ فمن الناس من اتكل على حسن ظنه بربه واعتمد عليه مع إقامته على المعاصي متناسيًا ما توعد الله به من وقع في مساخطه وما يغضبه، وغافلًا عن الخوف من الله حتى وقع في الغرور.

وعلى النقيض من هذا من ساء ظنه بربه فاعتقد بالله خلاف مقتضى أسمائه وصفاته واقعًا بما وصف الله به الكفار والمنافقين من أنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.

وانظر إلى ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ عندما يتكلم عن حال الناس في الظن بالله حيث يقول: (فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول:(ظلمني ربي ومنعني ما أستحق) ونفسه تشهد عليه لذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شَراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته، لرأيت عنده تعتبًا على القدر وملامة له، واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت