فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 780

فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيًا (15)

ومن هنا يتضح لنا أن مسلك حسن الظن بالله مسلك دقيق ومنهج وسط بين نقيضين لا يسلكه إلا من وفقه الله وجعل قلبه خالصًا له ـ سبحانه ـ.

ولذا كان على المؤمن أن يتحرى معرفة المنهج الصحيح في حسن الظن بالله حتى لا يقع فيما نهى الله عنه من الغرور أو سوء الظن بالله ـ تعالى ـ.

4-ومما يبين أهمية هذا الأمر: أثر حسن الظن بالله على المؤمن في حياته وبعد مماته؛ فإن المؤمن حين يحسن الظن بربه لا يزال قلبه مطمئنًا ونفسه آمنه تغمرها سعادة الرضى بقضاء الله وقدره وخضوعه لربه ـ سبحانه ـ (فالقلب المؤمن حَسَنُ الظن بربه يَتوقّع منه الخير دائمًا، يتوقع منه الخير في السراء والضراء، ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين؛ وسر ذلك أن قلبه موصول بالله، وفيض الخير من الله لا ينقطع أبدًا؛ فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة وأحسها إحساس مباشرة وتذوّق) (16) .

بل إن من أحسن الظن بربه وتوكل عليه حق توكله جعل الله له في كل أمره يسرًا ومن كل كرب فرجًا ومخرجًا، قال بعض الصالحين: (استعمل في كل بلية تطرقك حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ في كشفها؛ فإن ذلك أقرب إلى الفرج) (17) .

كما أن مَنْ أحسن الظن بربه ـ عز وجل ـ فأيقن صدق وعده وتمام أمره وما أخبر به من نصرة الدين والتمكين في الأرض للمؤمنين (18) ، اجتهد نفسه في العمل لهذا الدين العظيم، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله بماله ونفسه غير هياب ولا وجل، بل يُقدِم إقدام الواثق بنصر الله وموعوده وهو يلمح نور الفجر الصادق وقد أطل على هذه الأمة، فلا يعلق آماله إلا بالله ـ سبحانه وتعالى ـ، ولا يتوكل إلا عليه.

ومن أثر حسن الظن بالله على المؤمن أيضًا أنه عندما يسمع ما يخبر به الله ـ تعالى ـ عن نفسه من أنه عفو غفور وتواب رحيم، ويسمع قول نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (إن الله ـ تعالى ـ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) (19) ؛ فإنه يطمع بعفوه فيطرق بابه منطرحًا بين يديه راجيًا مغفرته، وأن يتوب عليه من معاصيه.

وأما في الآخرة فإنما النجاة في حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ؛ ولهذا أوصى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول منازل الآخرة عند حضور الموت فقال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ـ عز وجل ـ) . وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: (كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه ـ عز وجل ـ) (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت