وإنما عُنِيَ السلف بهذا الأمر؛ لأن من لقي الله ـ سبحانه وتعالى ـ وهو يحسن الظن به في أنه يغفر له ويتوب عليه؛ فإن الله يكون عند ظنه به، ولا يخيّب رجاءه فيه؛ وهذا من أعظم الأثر لحسن الظن بالله؛ إذ ارتبط بالنجاة يوم القيامة.
ثالثًا: السلف وحسن الظن بالله ـ تعالى ـ:
لما كان السلف ـ رحمهم الله ـ هم أقرب الناس إلى منهج الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أدركوا أهمية حسن الظن بالله ومدى أثره على المؤمن؛ فكانوا أحرص الناس عليه، وأكثرهم دعوة إليه وحثًا على التمسك به على وجهه الحق؛ فهذا سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ، كان يدعو: (اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك) (21) .
وقال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: (والذي لا إله غيره ما أُعطي عبد مؤمن شيئًا خير من حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله ـ عز وجل ـ الظن إلا إعطاه الله ـ عز وجل ـ ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده) (22) . وسفيان الثوري ـ رحمه الله ـ كان يقول: (ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ فربي خير لي من والدي) (23) .
ويقول عن قوله ـ تعالى ـ: (( وَأََحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ) ) [البقرة: 195] . قال: (أحسنوا بالله الظن) (24) .
كما أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا (25) ، عن عمار بن يوسف قال: (رأيت حسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنيًا للقائك؛ فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر! فلم أرَ مثل حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ شيئًا) .
رابعًا: الفرق بين حسن الظن بالله والغرور:
وحيث جاء الأمر بحسن الظن بالله ـ تعالى ـ فإن بعض الناس قد أساء في هذا الأمر وغلا فيه حتى سقط في الغرور جاهلًا بكيفية إحسان الظن بالله ـ تعالى ـ ناسيًا أليم عقاب الله ـ سبحانه ـ وغافلًا عن شدة عذابه ومحاسبته لعباده عما اقترفت أيديهم وكسبت نفوسهم.
وقد ذكر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ (26) ، شيئًا من أحوال المغترّين وجهلهم بالله ـ سبحانه ـ فقال: (وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: أستغفر الله، زال الذنب وراح هذا بهذا. وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل ثم أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:(من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطّتْ خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) (27) . وقال آخر من أهل مكة: نحن أحدنا إذا فعل ما فعل ثم اغتسل وطاف بالبيت أسبوعًا قد محي عنه ذلك)، وقال لي آخر: (قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب أصبت ذنبًا فاغفر لي فغفر