وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ حول هذه الآية: (وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر به أن يفعله، وما وعد به من نصر الدين وإحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان، وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية النافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله، ونفي لكماله وتكذيب لخبره، وشك في وعده، والله أعلم) (33) .
وقال الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: عند قوله ـ سبحانه ـ: (( ذَلِكَ ظَنُّ الَذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) ) [ص: 27] . قال: (يدل على أن من ظن بالله ما لا يليق به ـ جل وعلا ـ فله النار) وقد بين ـ تعالى ـ في موضع آخر أن من ظن بالله ما لا يليق به أرداه وجعله من الخاسرين وجعل النار مثواه، وذلك في قوله ـ تعالى ـ: (( وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ(22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ.... )) [فصلت: 22، 23] . وبعد هذا فكيف يستسيغ المؤمن أن يظن بربه ظن السوء وظن ما لا يليق بجلاله ـ سبحانه ـ وهو يعلم أن هذا من صفة الكفار والمنافقين؟ وهذا الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ يجعل سوء الظن بالله من أسباب ارتكاب المحرمات، فيقول: (ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين: إحداهما: سوء ظنه بربه وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرًا منه حلالًا) (34) .
وقد ذكر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ أمثلة وأحوالًا لهذا الظن السيئ في كلام رائع طويل يستحسن الرجوع إليه لمن يريد الزيادة في الموضوع (35) .
فلينظر اللبيب إلى نفسه وأحوالها فإن كان يعتريها شيء من سوء الظن بالله ـ تعالى ـ فليبادر بالتوبة إلى الله ومعالجة نفسه من شرورها.
سادسًا: كيف نحسن الظن بالله ـ تعالى ـ؟
إن مما يهم معرفته عند الحديث عن حسن الظن بالله ـ تعالى ـ أن نعلم ما هي البواعث التي تدعو إلى إحسان الظن بالله، وتحتم على المؤمن أن يضعها بين عينيه، ويحاسب نفسه على الأخذ بها. فمن هذه البواعث:
1-أن يعلم أن في امتثاله لهذا الأمر استجابة لله ـ تعالى ـ وامتثالًا لأمره ولوصية رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما مرّ في الآيات والأحاديث السابقة. وقد قال ـ تعالى ـ: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) ) [الأنفال: 24] قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (فتضمنت هذه الآية أمورًا:
أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله؛ فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات؛ فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا؛ فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابه لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن