وتدبر كيف ختم الرجل المؤمن حواره الهادئ، محذرًا صاحبه من الخطر القادم من قِبَلِهِ سبحانه؛ ذلك الخطر الذي يأتي دومًا نتيجة لمقدمات معروفة، وحصاد لأسباب معلومة: {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [الكهف: 40 - 41] .
هكذا ختم حواره، بنبره تحذير وإنذار، معلنًا في ثقة: إن الله عز وجل المعز المذل، قادر على أن يوكلك إلى سبب عزتك وبطرك وغرورك، ولن ينفعك عندما يرسل ما لم تحسب له حسابًا؛ إن الله قادر على أن يهلك جنتيك ويدمرهما. فتوقع يا صاحبي صاعقة مدمرة، تدمر جنتيك، وتزيل ما فيهما، فتصبح كل واحدة منهما ترابًا أملس أجرد. أو توقع أن يذهب النهر الذي بين الجنتين، وأن يغور في باطن الأرض بأمره سبحانه، ولن تستطيع أن تعيده!
وهي نظرة مستقبلية استشرافية، لا يدَّعي فيها الرجل المؤمن علمه بالغيب، ولكنها مبنية على قراءة تاريخية ماضوية، واستقراءٍ لحاضر تشهد مسبباته بالمصير المستقبلي المتوقع.
فلمسنا كم كانت دراية ووعي الرجل المؤمن، بكل شهود التاريخ البشري، وبكل سنن الله ـ عز وجل ـ الإلهية في الأنفس أي في عالم الأحياء؛ وهي السنن الإلهية الاجتماعية، وفي الآفاق أي في عالم المادة؛ وهي السنن الإلهية الكونية.
وتوقع لصاحبه الكافر مصيرًا، يفسره ويدركه كل من فقه السنن الإلهية المختلفة؛ والتي تعين على قراءة المستقبل من خلال استقراء الحاضر.
? فراسة يصنعها فقه حضاري:
ولو تدبرنا المواقف الراقية لهؤلاء الرواد العظام؛ لوجدنا الكثير من الملامح التربوية الطيبة:
1 -قليلٌ هم أولئك الذين يفكرون عكس التيار؛ فيقرؤون المستقبل المغاير للحاضر، فيكون تفاعلهم مع الأحداث مختلفًا عن غيرهم.
2 -قليلٌ هم كذلك الذين يفقهون سننه سبحانه الإلهية؛ لأن هذا الفقه يهبه الله لمن يستجيب لندائه ـ سبحانه ـ: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ}
[غافر: 21] .
أي يقرؤون التاريخ فيتدبرون عوامل سقوط ونهوض الحضارات والأمم والمؤسسات بل الأفراد.
وعندما نقول إنهم فقهوا السنن الإلهية، فإننا نقصد أنهم عرفوا القوانين الربانية، والقواعد الإلهية الثابتة، وهي التي تؤدي إلى نتائج معينة، لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية معينة، انطبقت عليها هذه القوانين الإلهية فكان الجزاء أو النتيجة من جنس السبب أو العمل.
وهذه السنن الإلهية تتميز بسمات ثلاث هي: العموم، والثبات، والاطراد أي التكرار إن وجدت الظروف البشرية والمكانية والزمانية.
ونذكر أن السنن الإلهية هي: