وانحصاره في التلقين والتكرار الحرفي للمفاهيم؛ واختزالُ التربية في هذه الصورة أشبه بالتعبير عنها بحرف واحد من حروفها، كما أن التكرار بهذه الصورة قد يُحدث أثرًا عكسيًا يُفقد الكلام جدته وهيبته.
أما توسيع الدائرة واعتماد أساليب غير مباشرة في التربية فله أثر قوي وفاعلية بإذن الله، كما أنه يجعلنا نجتني فائدة التكرار مع تجنب عيبه، وأيضًا فهو يتناسب مع كون التربية تحتفي بالبناء الرأسي في العمق قبل البناء الأفقي.
وفيما يلي طائفة من هذه الأساليب - وإن كان المطلوب من المربي أن يبدع ويأتي بالنادر الطريف ولا يكتفي بالنسج على منوال الآخرين:
1 -استخدام الحكايات: وقد سبق الكلام عنها في صفة حسن السمت؛ فلها أثر عجيب في النفس، ويكفي أن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية ممتلئان بها، وقد تعدل حكاية صغيرة في سطرين كلامًا طويلًا في صفحات، فضلًا عن أنها تفوقه أثرًا وثباتًا في النفس والعقل، قال البرقي:"الحكايات حبوب تُصطاد بها القلوب" (11) .
2 -ضرب المثال: ويقصد به: ادعاء التماثل الجزئي أو الكلي بين شيئين أو حالين طلبًا لإثبات أو إيضاح أحدهما اعتمادًا على ثبوت أو وضوح الثاني.
فهو يُستخدم إذن في تقريب المعنى وإيضاحه والإقناع به والحث على الفعل ونحو ذلك، وله في ذلك تأثير عظيم، وهو أسلوب شائع الاستخدام في الكتاب والسنة. قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث"النخلة":"وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة" (12) .
وله صور عديدة: فقد يكون تشبيهًا رمزيًا للبشر وأحوالهم بالنبات أو الحيوان أو الجماد.
وقد يكون هذا المثال الرمزي مُعَايَنًا، كما في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم غصنًا، فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض (لاحظ الانتفاض في الثالثة) قال:"إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ينفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها" (13) .
وقد يكون المثال الرمزي"تخيُّليًا"كقوله تعالى: (( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) ) [ {الجمعة: 5} ] .
ومثله: كان الإمام أحمد يقول لبعض أصحابه:"كم يعيش أحدنا: خمسين سنة؟ ستين سنة؟ كأنك بنا قد متنا، ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط" (14) .