وقد يكون المثال تشبيهًا بأحوال البشر وأفعالهم: فيكون افتراضيًا؛ فعن يعلى بن عبيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول:"لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا، قال: فإن معكم من يرفع الحديث... يعني إلى الله" (15) .
وقد يكون حقيقيًا؛ فقد قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري وكلاهما من التابعين:"يا أبا سعيد! أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه، فقال الحسن: يا ابن أخي! كم يد عقرت الناقة؟ قلت: واحدة، قال: أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتمالئهم؟" (16) .
3 -افتعال المواقف: ومَثَلُه حديث جبريل - عليه السلام - لما حاكى فعل الغريب السائل الطالب للعلم، فقدم وجلس وسأل ومضى؛ فالنظر إلى أثر افتعال هذا الموقف وما ذكر فيه العلماء من الفوائد يُبين أهمية هذه الوسيلة، وأنه لو كان المطلوب مجرد تلقين المعلومات لأجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرَّف لهم الإسلام والإيمان والإحسان وذكر علامات الساعة وانتهى الأمر.
4 -الحث على السؤال وفتح المجال له: ففيه تنشيط للذهن ودفع لتمام الاستيعاب وسد ثغرات الفهم بالسؤال، قال عكرمة يومًا لتلاميذه يحثهم على السؤال: ما لكم لا تسألوني؟ أأفلستم؟
5 -التلغيز: وهو السؤال المحير للفهم المشكل على سامعه ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن عمر قال:"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت - لصغر سني - ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة" (17) .
قال ابن حجر في فوائده:"وفيه امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفي مع بيانه لهم إن لم يفهموه" (18) .
وقال أيضًا:"وفيه أن المُلغِّز ينبغي له ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للمُلَغَّز له بابًا يدخل منه، بل كلما قَرَّبه كان أوقع في نفس سامعه" (19) .
6 -الكناية عن الأمر بعاقبته: ومعلوم ما في ذلك من دوام الترهيب أو الترغيب واستحضاره في النفس وتذكره على الدوام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر لأصحابه يحثهم على القتال:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" (20) .
7 -إذكاء روح التنافس في الخير: من الثابت في علم النفس أن المنافسة وسيلة فعالة لرفع المستوى وتنمية الموهبة، وأن انعدامها بين الأفراد من شأنه أن يُبطئ ذلك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - المربي الأول - يستخدم هذا الأسلوب في تربية الصحابة، وهناك السباق المشهور في الخير والطاعات بين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفزه ويشجعه، وقد فاز أبو بكر بهذا السباق حتى قال عمر: والله! لا أسابقك بعدها إلى شيء أبدًا.