فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 780

والمربي يحتاج إلى مداومة البذل والصبر عليه، البذل من وقته وراحته وبيته وماله، وقد سبق كيف كان السلف ينفقون من أموالهم على تلاميذهم - خاصة النجباء منهم - وعدم تضجرهم من ذلك إن استطاعوا.

وقال محمد بن سلام - شيخ البخاري -"أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، وأنفقت في نشره أربعين ألفًا"، ومثل هذا - ولا شك - يحدث كثيرًا في عصرنا ولكن بقلب"أنفقت"إلى"جمعت".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع بالصحابة في دار الأرقم لتعليمهم وتربيتهم، وأحيانًا بمنزله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان الصحابة يفتحون بيوتهم لتلامذتهم مثل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ومن بعده مالك بن أنس، وقبيصة بن ذؤيب، وأبي غطفان بن طريف المري... وغيرهم كثير (29) ، وقد مر كيف فتح محمد بن الحسن بيته لابن الفرات فكان يؤويه ويعلمه وينفق عليه.

والمربي أيضًا يحتاج إلى الصبر على تأخر ثمرة العمل التربوي - نسبيًا - فضلًا عن احتمالات ضياع بعضها أو تلفها.

ويحتاج أيضًا إلى الصبر على جفاء بعض الطباع وخشونة التعامل؛ فهذا نبينا - عليه الصلاة والسلام - وقد أقيمت الصلاة حين يأتي أعرابي فيأخذ بثوبه ويقول: إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها، فيقوم صلى الله عليه وسلم معه حتى يفرغ من حاجته - والصلاة مقامة - ثم أقبل فصلى (30) .

وقد ذكر ابن جماعة أن من أدب المعلم مع تلميذه:"الصبر على جفاءٍ ربما وقع منه أذى لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بقدر الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف، قاصدًا بذلك حسن تربيته" (31) .

وأخيرًا: نختم بذكر الأمر الثاني الذي ينبغي توافره في النموذج المعتدل للمربي، وهو: أن يكون تحقق الصفات والمؤهلات السابقة فيه حدٌّ أدنى لا يتأهل الداعية بالنزول عنه للعمل التربوي.

وهنا ملاحظات غير عابرة:

أولًا: هذا الحد الأدنى يختلف باختلاف الظروف والأحوال؛ فهو يتغير من بيئة دعوية إلى أخرى، وحسب تعقُّد العمل وتوفر الكفاءات، كما أنه يتغير بتغير حجم المسؤولية التربوية؛ فالذي يتولى تربية عدد كبير ليس كمن يعمل مع أشخاص محدودين، كما أن الذي يربي أشخاصًا حديثي عهد بالدعوة، ليس كمن يعمل مع دعاة متمرسين.

ثانيًا: لتحقيق قدر من المرونة والواقعية - ونظرًا لضعف عملية التنمية البشرية - قُسمت المقومات وفق ابتداء تأثيرها، وهذا يعني أن أهمية تحقق كل قسم منها في بداية العمل في شخص المربي متفاوتة؛ فمقومات البدء لا مفر من تحققها تمامًا - وفق البند السابق - ومقومات الإتقان يمكن التجاوز فيها قليلًا، على أن يبدأ سد الخلل فيها بعد البدء مباشرة وإلا ظهر أثر ذلك على العمل التربوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت